قبالة سواحل دهب المصرية، تخفي مياه البحر الأحمر واحدة من أكثر البقاع غموضاً ورهبة في عالم الغوص. تبدو الحفرة الزرقاء من الأعلى كدائرة زرقاء هادئة تحيط بها الشعاب المرجانية، لكن هذا المشهد الخادع يخفي في أعماقه منحدرات سحيقة وتكوينات صخرية مغمورة بالمياه، من بينها «القوس» الشهير، الذي جعل المكان مقصدا للمغامرين ومسرحا لحوادث مأساوية على مر السنين.
اكتسب الموقع شهرة واسعة بلقب «مقبرة الغواصين» بسبب العدد الكبير من الحوادث المرتبطة بمحاولات الغوص إلى أعماق كبيرة، ولا سيما عند محاولة استكشاف الأجزاء الأكثر تعقيدًا من الحفرة والمرور عبر الأنفاق المغمورة. وتشير تقديرات متداولة إلى تسجيل أكثر من 100 حالة وفاة منذ تسعينيات القرن الماضي، ما عزز السمعة الخطرة للموقع بين الغواصين.
ما هي الحفرة الزرقاء؟
تُعرف الحفرة الزرقاء بأنها تجويف بحري عميق يتشكل نتيجة عمليات جيولوجية أدت إلى انهيار أو ذوبان أجزاء من الصخور القابلة للذوبان، مثل الحجر الجيري والصخور الكربوناتية. ومن سطح البحر، تبدو الحفرة على هيئة بقعة زرقاء داكنة تحيط بها مياه أكثر ضحالة، إذ تمتص المياه العميقة الضوء بصورة مختلفة، فتظهر بدرجات زرقاء أكثر قتامة.
ولا تقتصر بعض الحفر الزرقاء على تجويف رأسي واحد، إذ قد تمتد في أعماقها إلى ممرات وأنظمة كهفية مغمورة بالمياه، يمكن أن تتصل أحيانًا بفتحات أو شقوق أخرى. وهذه البنية المعقدة تجعل استكشافها أكثر صعوبة، خصوصًا مع ازدياد العمق وضيق بعض الممرات.
يصل عمق الحفرة إلى نحو 120 مترا، فيما يقع مدخلها الضحل، المعروف باسم «السرج»، على عمق يقارب 6 أمتار فقط. ومن هذا المدخل ينحدر جدار الحفرة بشكل شبه عمودي إلى الأعماق، ما يمنح الموقع مظهرًا أشبه ببئر عملاقة مفتوحة داخل البحر.
لكن جمال المكان يخفي وراءه جانبًا شديد الخطورة، إذ ارتبطت الحفرة بوفاة عشرات الغواصين، بينما تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن العدد الإجمالي للضحايا قد يكون أكبر بكثير. وتنتشر حول مدخلها لوحات تذكارية تحمل أسماء عدد من الذين لقوا حتفهم أثناء محاولات الغوص في أعماقها.
القوس.. أجملها وأخطرها
في قلب الحفرة يوجد أحد أكثر معالمها إثارة للدهشة، وهو نفق طبيعي يُعرف باسم «القوس»، يمتد من داخل الحفرة إلى البحر المفتوح.
ويقع النفق على عمق يقارب 55 مترًا، ويبلغ طوله نحو 26 مترًا، بينما يصل ارتفاعه إلى حوالي 65 مترًا، ما يجعله يبدو من الداخل كأنه قاعة ضخمة أو كاتدرائية غارقة تحت الماء.
وهنا تحديدا تكمن إحدى أخطر نقاط الموقع، فالقوس لا يمثل مجرد ممر يمكن للغواص دخوله والخروج منه بسهولة، بل يتطلب التعامل مع أعماق كبيرة، ومسافة طويلة نسبيًا، وظروف تختلف عن الغوص في المياه المفتوحة.
ورغم أن معظم الغواصين الترفيهيين والجولات المنظمة يتجنبون دخول القوس، فإن بعض الغواصين المحترفين ومحبي المغامرة يواصلون محاولة عبوره.
لماذا تتحول الحفرة إلى فخ قاتل؟
أحد أخطر العوامل هو العمق، إذا أخطأ الغواص في تحديد موقع القوس، فقد يستمر في النزول إلى أعماق كبيرة قبل أن يدرك أنه تجاوز المدخل. وعند الوصول إلى أعماق تقارب 120 مترًا، ترتفع مخاطر الإصابة بما يعرف بـالتخدير بالنيتروجين، أو «تأثير المارتيني».
هذه الحالة قد تؤثر في التفكير والحكم على الأمور والتنسيق الحركي، وقد تجعل الغواص يتصرف بطريقة تشبه حالة السكر، وهو أمر بالغ الخطورة في بيئة لا تسمح بارتكاب الأخطاء.
لكن العمق ليس المشكلة الوحيدة، فعبور القوس يتطلب من الغواص قطع مسافة إضافية تحت الماء، وقد يواجه أيضًا تيارات مائية مرتبطة بالبحر المفتوح. وهذا يعني استهلاك كمية أكبر من الغاز الموجود في أسطوانة التنفس مقارنة بالغوص التقليدي.
وفي حال أخطأ الغواص في تقدير كمية الغاز التي يحتاج إليها، فقد يجد نفسه في موقف بالغ الخطورة قبل الوصول إلى نقطة الخروج.
جثث في الأعماق
مع تزايد حوادث الغوص في الحفرة الزرقاء، تحولت أعماقها إلى موقع لانتشال جثامين الغواصين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى السطح. وعلى مدار سنوات، شهدت المنطقة عمليات متكررة لاستعادة جثث الضحايا من الأعماق، في مهمة بالغة الصعوبة والخطورة بسبب العمق والظروف المعقدة داخل الحفرة.
وأصبح هذا الجانب المظلم جزءًا من سمعة الموقع، الذي يجمع في الوقت نفسه بين جمال طبيعي استثنائي ومخاطر حقيقية جعلته يُعرف بلقب «مقبرة الغواصين».
ويرى بعض الغواصين والمدربين المحليين أن جزءًا من المأساة يعود إلى دخول أشخاص إلى القوس دون امتلاك الخبرة والتدريب الكافيين للتعامل مع الغوص العميق والبيئات المعقدة.
لكن الموقع نفسه يحمل تحديات لا يمكن تجاهلها حتى بالنسبة إلى الغواصين ذوي الخبرة.
جمال يجذب المغامرين
المفارقة أن السمعة الخطيرة للحفرة لم تمنعها من أن تصبح واحدة من أشهر مواقع الغوص في العالم.
فمياه البحر الأحمر الغنية بالشعاب المرجانية والحياة البحرية، إلى جانب الشكل الفريد للحفرة والقوس، تجعل المكان وجهة جذابة للغواصين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
ويستطيع الغواصون زيارة الحفرة ضمن رحلات منظمة والاستمتاع بالمنطقة، لكن الغوص إلى الأعماق الكبيرة أو محاولة عبور القوس يتطلب مستوى مختلفًا تمامًا من التدريب والتجهيز والخبرة.
ولهذا السبب، لا يمكن النظر إلى الحفرة الزرقاء باعتبارها مجرد موقع جميل للغوص، بل باعتبارها بيئة بحرية شديدة التعقيد يمكن أن تتحول فيها الأخطاء الصغيرة إلى عواقب قاتلة.
لقب «مقبرة الغواصين» لم يأتِ من فراغ. فخلف المياه الزرقاء الصافية والشعاب المرجانية المذهلة، تختبئ أعماق مظلمة وممر ضيق وظروف تتطلب احترامًا بالغًا للبحر.
ورغم استمرار الغواصين في زيارة الموقع، فإن الحفرة الزرقاء في دهب تظل واحدة من أكثر مواقع الغوص تحديًا وخطورة في العالم، خصوصًا لمن يحاولون الوصول إلى أعماقها القصوى أو عبور القوس دون الاستعداد والخبرة المناسبين.
