فى ذكرى مرور 20 عاما على رحيل سيد الرواية العربية نجيب محفوظ، احتفلت مصر إعلاميا ورسميا بهذه المناسبة، نجيب محفوظ لم يغب أبدا عن (الكادر)، ظل هو (المانشيت)، والكثير من الحكايات، يتم الآن تناقلها، على اعتبار أنها عين الحقيقة، رغم أن عددا منها يخاصمها المنطق ويستحيل حدوثه.
قرأت مثلا أمس من يحكى على صفحات جريدة كبرى، على لسان أحد أصدقائه، أنه تواصل مع أديبنا الكبير الجليل، عندما تلقى خطابا رسميا يقضى بضرورة إخلاء بيته بالإسكندرية، لأنه آيل للسقوط، لم يكتف بهذا القدر، بل أضاف أنه طلب من صديقه نجيب محفوظ التدخل، لدى المحافظ التاريخى لمدينة الإسكندرية اللواء عبد السلام محجوب، تولى المسؤولية من 1997 حتى 2006، وقال له نجيب (يرضيك إنى أروح إسكندرية ولا أرى البحر) فأوقف المحافظ قرار الإزالة !!.
هل من الممكن أن يتوسط نجيب محفوظ ويطلب استثناء فى تطبيق القانون؟، إنها واحدة من خزعبلات الأحداث والأقوال التى تمنحها (السوشيال ميديا)، من كثرة ترديدها، مصداقية تشبه مذاق الحقيقة.
دائما ستكتشف أن البعض يمتلك خيالا أوسع من (البحر المتوسط) لا يعترف أبدا بمنطق التاريخ ولا حدود الجغرافيا. بينما السؤال عن الحقيقة دائما يتجدد من زمن إلى زمن، لا يوجد فى التاريخ ما يمكن الاطمئنان الكامل إليه باعتباره القول الفصل، بين الحين والآخر نكتشف أن هناك قولا آخر، ربما يدفعنا لقراءة مغايرة، نعيد بعدها ترتيب الوقائع، ما يقوله الفنان أو الشخصية العامة عن نفسه وعن الأحداث التى عاشها، هل هى بالضبط ما حدث؟، دائما هناك حقائق مسكوت عنها، والكثير من التفاصيل، ربما نكتشفها بعد مرور السنوات، وفى لحظات عديدة فى التوقيت الخاطئ، بعد أن يغيب شهود الإثبات.
أتذكر بعد رحيل أديبنا الكبير نجيب محفوظ عام 2006، اكتشفنا أن الفيلم الشهير (شباب امرأة)، الذى شارك فى مهرجان (كان) 1955 وأخرجه صلاح أبو سيف، ولعبت بطولته تحية كاريوكا وشكرى سرحان وعبد الوارث عسر، ليس كما كنا نعتقد بأن نجيب محفوظ شارك فى كتابة السيناريو، فى كل أحاديثه كان يذكر هذا الفيلم، ضمن أعماله التى يعتز بها، وفى كل المراجعات النقدية ستلمح أن هناك إشارة إلى اسم أديبنا الكبير.
ولم نلحظ ومحفوظ بيننا أن (التترات) خالية من اسمه، بينما فى المذكرات التى حققها الكاتب الصحفى عادل حمودة لصلاح أبو سيف كشف أن هناك خدعة قانونية تمت عن طريق كاتب قصة (شباب امرأة) أمين يوسف غراب، فأصبحت القصة والسيناريو منسوبين له، رغم أنه، أقصد صلاح، مر بتجربة شخصية مماثلة لأحداث (شباب امرأة)، فى باريس، عندما كان يدرس فن السينما هناك، رواها لكاتب القصة فنسج منها حكاية الفيلم، صلاح أبوسيف، مع اختلاف العديد من التفاصيل كان هو (إمام) الذى أرادت (شفاعات) أن تستحوذ على رجولته، كنت قد سألت المخرج الكبير الراحل توفيق صالح، وهو أصغر الحرافيش سنا، وأقربهم إلى قلب نجيب محفوظ، عن ظلال تلك الواقعة، جاء تفسيره أن أمين يوسف غراب، وقتها، كان أديبا شابا ويقترب فى المرحلة العمرية من نجيب محفوظ، وكالعاد فى قلبه شىء من الغيرة، أراد أن تظل قصة الفيلم منسوبة لها دراميا، وهكذا تم حذف اسم نجيب محفوظ، وهو لم يمانع إنقاذا للعمل الفنى، وبعد نجاح الفيلم أصدر (غراب) رواية حققت نجاحا استثنائيا اسمها (شباب امرأة)!!.
