في أعقاب الزلزال العنيف الذي ضرب جزيرة فلوريس الإندونيسية، في الخامس عشر من آب أغسطس الفائت، وضع أسقف روتنغ، المطران سيبريانوس هورمات، شعاره الأسقفي “كل شيء بالمحبة” موضع التطبيق، من خلال الحضور إلى جانب المتضررين ومساندة العائلات التي فقدت منازلها وأحباءها.

الزلزال، الذي بلغت قوته سبع فاضلة سبع درجات من مقياس ريختر، تسبب في دمار واسع في مناطق عدة من الجزيرة، وأسفر عن سقوط ضحايا وجرحى، إضافة إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان. ويقول المطران هورمات إنه كان بعيداً عن أبرشيته عندما تلقى خبر الزلزال، ليكتشف لاحقاً أن سقف غرفته قد انهار، وأن جزءاً ثقيلاً من المبنى سقط على سريره. ويعتبر أنه لو كان موجوداً في الغرفة صباح ذلك اليوم، فلا يعرف ما الذي كان يمكن أن يحدث له. لكن نجاته دفعته إلى توجيه اهتمامه سريعاً نحو المتضررين، ولا سيما الأشخاص الذين فقدوا منازلهم، والجرحى، والعائلات التي فقدت أفراداً منها.

ويؤكد أسقف روتنغ أن الاتصالات الأولى بعد الزلزال حوّلت الكارثة من مجرد أرقام إلى وجوه وقصص إنسانية؛ فقد تضررت كنائس ومنازل، وأصيبت مستشفيات بأضرار، فيما اضطر كثير من السكان إلى قضاء الليل في العراء. وفي ذلك الوقت، كانت أبرشية روتنغ تعقد سينودسها الرابع، لمناقشة توجهات العمل الرعوي خلال السنوات العشر المقبلة، تحت شعار “كنيسة أمينة وأخوية وإرسالية”. لكن الزلزال – كما قال المطران هورمات – حوّل هذه الأفكار إلى اختبار عملي، إذ أصبح ما كانت الأبرشية تناقشه على الورق واقعاً يحتاج إلى ترجمة فورية على الأرض.

ومن خلال هيئة كاريتاس، نظمت الأبرشية الإندونيسية شبكة من الكهنة والرهبان والعاملين الصحيين والمتطوعين في الرعايا، من أجل تقديم المساعدة للمتضررين. فثمة من تبرعوا بالمال ومن نقلوا الطعام ومياه الشرب، فيما وضع آخرون سيارات وخياماً وأدوية في خدمة السكان.

ويشير المطران هورمات إلى أن بعض المؤمنين، رغم كونهم هم أنفسهم من ضحايا الكارثة، وجدوا القوة للتفكير في جيرانهم ومساعدتهم. وبعد مرحلة التنسيق الأولى، قرر سيادته التوجه بنفسه إلى مراكز إيواء النازحين، حيث التقى بالضحايا والمرضى، واستمع إلى قصص أشخاص اضطروا إلى الفرار لإنقاذ حياتهم. ويقول هورمات إنه رأى منازل مدمرة وأشخاصاً مصابين، لكنه رأى أيضاً أمراً لم ينهَر رغم قوة الزلزال، وهو إيمان الناس.

بعد نجاته من انهيار غرفته، لم يسأل الأسقف الإندونيسي – كما قال – لماذا نجا هو بينما لم ينجُ آخرون، بل سأل نفسه: ماذا ينبغي أن يفعل بالحياة التي مُنحت له؟ ولفت إلى أنه وجد الإجابة على هذا السؤال في استخدام صوته وعلاقاته وإمكانات الكنيسة لمساعدة المحتاجين.

وفي مخيمات النازحين، أصبحت الصلاة وكلمات التعزية والبركة وسيلة للتأكيد للمتضررين أنهم ليسوا وحدهم. وشدد أسقف روتنغ في هذا السياق على أن بعض الآلام لا يمكن للكلمات أن تحلها، وأن بعض الجراح تحتاج إلى وقت طويل للشفاء، ولذلك فإن أول أشكال الخدمة في مثل هذه الظروف هو ألا يُترك الإنسان يعاني بمفرده.

في غضون ذلك لا تزال جزيرة فلوريس تواجه تداعيات الزلزال المدمر، خصوصا وأن أضراراً واسعة طالت المنازل والمدارس والمراكز الصحية، فيما تواصل فرق الإغاثة مواجهة صعوبات الوصول إلى المناطق النائية والجبلية.

وأكد المطران هورمات أن طريق التعافي سيكون طويلاً، إذ لا تقتصر الحاجة على إعادة بناء المنازل والكنائس والمدارس والمرافق الصحية، بل تشمل أيضاً مرافقة العائلات التي فقدت أحباءها ومساعدتها على تجاوز آثار الصدمة. وشدد على أن عمل الكنيسة لن يتوقف بانتهاء مرحلة المساعدات الطارئة أو بتراجع اهتمام وسائل الإعلام، بل ستبقى إلى جانب العائلات المتضررة خلال مسيرة التعافي وإعادة البناء.

وختم أسقف روتنغ حديثه بالتأكيد أن جزيرة فلوريس ستنهض من جديد، ليس لأن إعادة البناء ستكون سهلة، بل لأن أهلها لن يسيروا وحدهم، مشيراً إلى أن الإيمان بأن الله يسير معهم، وأن محبته تولّد المحبة بين الناس، ما يشكل مصدر القوة التي يمكن الانطلاق منها نحو المستقبل.