
طُرحت طوال السنوات الماضية فكرة الاستثمار السينمائي عن طريق الإنتاج المصري ـ العربي المُشترك، جاء ذلك في إطار البحث عن وسائل جديدة لمُضاعفة الموارد الثقافية، وبالتحديد الموارد السينمائية حين كانت الفرصة مُتاحة لتحقيق مبدأ الشراكة السينمائية بين الدول العربية الشقيقة، أو بالأحرى إعادة مشروع الإنتاج المُشترك بين مصر وأشقائها بعد تعطُله بفعل أشياء كثيرة بعضها معلوم وبعضها مجهول.
في أعقاب نكسة 67 تعطلت صناعة السينما في مصر، وكادت تتوقف نهائياً لولا تفتق الأذهان عن نقل الصناعة المصرية الفنية من القاهرة إلى بيروت، بشكل مؤقت لحين مرور الأزمة، وهو ما تم بالفعل، حيث سافر عدد كبير من المُنتجين والمخرجين ونجوم التمثيل الكبار إلى لبنان للبدء في عمل أفلام ذات صبغة تجارية تهدف إلى إنعاش الاقتصاد السينمائي المصري، وتخلق هامشاً واسعاً من الربح لسوق السينما اللبنانية، لتُصبح المصلحة مشتركة بين البلدين الشقيقين. كانت تلك طريقة مُبتكرة لعبور الأزمة الاقتصادية، إبان فترة الحرب العصيبة، وقد نجح التخطيط وازدهرت الصناعة السينمائية في بيروت ووصلت أصداؤها إلى القاهرة في زمن قياسي، كما أن المشروع السينمائي المشترك خلّف عشرات الأعمال الفنية الجيدة، التي ما زالت تُعرض إلى الآن وتُدر ربحاً وفيراً بتسويقها في الفضائيات التي تُمثل نوافذ بديلة لدور العرض التقليدية.
كما أن الأفلام ذاتها التي أنتجت في واحدة من أصعب المراحل السياسية صارت أيقونات وتراثاً سينمائياً غنياً بالأفكار والموضوعات الاجتماعية والثقافية والإنسانية، حيث جمعت الخلطة الإبداعية في معظم ما تم إنتاجه بين ألوان مُتعددة من المتعة والفكاهة والمعرفة وأضحت دليلاً على براعة السينمائي العربي في خلق مجالات أوسع للتعبير الفني والاستثمار الاقتصادي من قلب الأزمة.
فالمسألة تم حسابها ببساطة في ظل توافر الكوادر الفنية المصرية، وتأثيرها الجماهيري، فقد عمل الخبراء السينمائيون على الاستفادة من نجومية المُمثلين المصريين، مقابل إتاحة مصادر التمويل العربي لصناعة أفلام لديها القُدرة على الجذب وتحقيق الربح وضبط المُعادلة الاقتصادية بعناصرها المُختلفة.
وهناك نماذج مضيئة لأفلام استطاعت بالفعل تحقيق المرجو والمُستهدف كان أبطالها نجوماً كبار مثل فاتن حمامة وعبد الحليم حافظ ونادية لطفي وفريد شوقي وحسن يوسف ومحمود ياسين وحسين فهمي ورشدي أباظة وسميرة أحمد وميرفت أمين ونجلاء فتحي وناهد شريف وعماد حمدي ونادية الجندي. وقد صنع هؤلاء النجوم أفلاماً حققت شهرة واسعة وأرباحاً متميزة، كان من بينها فيلم «الحُب الكبير» وفيلم «الضياع» وفيلم «العاطفة والجسد» و»أبي فوق الشجرة» و»أعظم طفل في العالم» و»امرأة ورجل» و»إنتربول في بيروت» و»أجمل أيام حياتي» و»سيدة الأقمار السوداء».
ومن هنا لمعت أسماء بعض المخرجين وكُتاب السيناريو أمثال، حسين كمال ومحمد سلمان وسمير خوري وفارس يواكيم وعلي رضا وغيرهم.
وبموجب هذه التجارب المُثمرة اقتصادياً وفنياً، التي أنجزت في ظروف استثنائية، يُمكن تعميم المبدأ والمُطالبة بتكرار التعاون الفني السينمائي المُشترك، ليس على مستوى بلد مُعين وإنما باتساع دائرة الشراكة لتشمل كل الدول العربية الشقيقة التي تتمتع بنهضة سينمائية ولديها استعداد لتطوير المُنتج الفني العربي. وإذا ما تم الاتفاق على صيغة إبداعية فنية تتوافر فيها عناصر الاستثمار والنجاح، سيتحقق الهدف الاقتصادي بكل تأكيد وتنشأ منظومة إنتاجية سينمائية مُشتركة تعود آثارها الإيجابية على جميع الأطراف.
ولأن هذا المشروع يتطلب مقومات معينة لإنجاحه، فعلى القاهرة مُمثلة في وزارة الإعلام وقطاعات وزارة الثقافة والقطاع الثقافي في وزارة الخارجية أن تسعى لتذليل المعوقات كافة أمام المُستثمر العربي، بالعمل على تسهيل التصوير في الأماكن السياحية وفتح الاستديوهات والتخفيف من أعباء الإجراءات الروتينية، التي تقف حائلاً أمام إتمام المشروعات الفنية ذات الإنتاج المشترك. عندئذ ستتوافر شروط الاستثمار ويتمكن صُناع السينما من مضاعفة الإنتاج، ومن ثم تتراجع المُشكلات ويخف ضغط الأزمات الاقتصادية السينمائية عن المُنتج والموزع، ويأخذ النجوم فرصتهم كاملة في استثمار مواهبهم، بالإضافة إلى تشغيل العمالة الفنية بجميع تخصصاتها، من تصوير وموسيقى وإضاءة ومونتاج ومكساج إلى آخره.
وتجدر الإشارة في هذا السياق لبعض الأعمال الدرامية التليفزيونية التي تم إنتاجها سابقاً ولاحقاً بنظام الإنتاج العربي المُشترك كمسلسل، «هند والدكتور نُعمان» إنتاج عام 1984 بطولة كمال الشناوي ورجاء الجداوي ومسلسل، «موعد مع الماضي» بطولة آسر ياسين وصبا مبارك ومحمود حميدة، والمسلسل التاريخي «ليلة السقوط»، بطولة طارق لطفي وأحمد صيام وباسم ياخور وكندة حنا، ومسلسل «حدث بالفعل»، بطولة ماجد المصري وبسمة وعدد من النجوم العرب.
وكذلك مسلسل «المنصة» بطولة مجموعة متنوعة من النجوم المصريين والعرب، مكسيم خليل وعبد المحسن النمر وسلوم حداد ومعتصم النهار وسامر إسماعيل وأحمد الجسمي وخالد القيش وسمر سامي ومهيرة عبد العزيز، بالاشتراك مع النجم الأمريكي دان كين بطل سلسلة سوبر مان الشهيرة. كل هذه نماذج تلفزيونية مهمة حظيت بقبول جماهيري وشعبي في
