إيران – «القدس العربي»: تحولت عودة محسن نامجو، المغني المعارض والمثير للجدل، إلى إيران بعد ما يقرب من عقدين من العيش خارج البلاد، إلى واحد من أكثر الأحداث المثيرة خلال الأيام الأخيرة. وهذه العودة، التي لا يمكن وصفها بأنها مجرد «عودة بسيطة إلى الوطن»، قوبلت بردود فعل متباينة للغاية داخل إيران وخارجها، بسبب سجله القضائي، واتهامه بالإساءة إلى المقدسات، وأغانيه المثيرة للجدل، ومواقفه السياسية السابقة.
من هو محسن نامجو؟
محسن نامجو، البالغ من العمر 51 عاماً، مغنٍ وملحن وكاتب أغانٍ إيراني. بدأ دراسة الموسيقى منذ فترة المراهقة من خلال الغناء والموسيقى الإيرانية التقليدية، ثم مزج لاحقا في مسيرته الفنية بين الموسيقى التقليدية والروك والبلوز والموسيقى الغربية.
قبل 20 عاماً، أصبح نامجو أحد أكثر الوجوه اختلافا في المشهد الموسيقي الإيراني. فقد أدى استخدامه المختلف للشعر الفارسي الكلاسيكي والغناء الإيراني والآلات التقليدية إلى جانب الغيتار وبُنى موسيقى الروك، إلى اكتسابه عددا كبيرا من المعجبين، لكنه في الوقت نفسه واجه معارضة وانتقادات.
حصل ألبوم «ترنج» عام 2007 على ترخيص رسمي للنشر، وصدر في إيران، لكن أنشطة نامجو خارج الإطار الرسمي للموسيقى الإيرانية استمرت في الوقت نفسه.
غادر نامجو إيران عام 2007، وواصل بعد ذلك الجزء الأكبر من نشاطه المهني في أوروبا والولايات المتحدة.
وكان أحد أهم أسباب مغادرته البلاد ملف قضائي ارتبط بقطعة موسيقية استخدم فيها آيات من القرآن. وفي عام 2009، أصدرت محكمة في طهران حكما بسجنه خمس سنوات حبسا تعزيرياً بتهمة «الإساءة إلى المقدسات». وصدر الحكم في غيابه.
وأقام نامجو في الولايات المتحدة وأوروبا عددا كبيرا من الحفلات الموسيقية، وتحول تدريجياً إلى أحد أشهر المغنين الإيرانيين المستقلين خارج البلاد.
وفي السنوات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009، أعلن في مواقف عدة تأييده للمحتجين ودعمه للحركة الاحتجاجية في تلك الفترة.
إعلان مفاجئ عن العودة
عاد نامجو إلى إيران خلال الأيام الأخيرة بصورة مفاجئة ومن دون إعلان مسبق. وقال إن السبب الرئيسي لقراره هو «التعب من الغربة» ورغبته في أن يكون إلى جانب عائلته وأصدقائه، موضحاً أنه حتى لو لم يكن قادرا على ممارسة نشاط موسيقي أو ثقافي في إيران، فإن وجوده في وطنه أهم بالنسبة إليه.
كما أعلن إلغاء حفلاته الثلاث المقبلة في تورونتو وواشنطن ونيويورك، واعتذر من الأشخاص الذين اشتروا التذاكر، وقال إن قيمة التذاكر ستُعاد إليهم.
وفي جزء من رسالته، خاطب أيضاً وسائل الإعلام المعارضة للجمهورية الإسلامية، قائلاً إن هذه الوسائل لا يحق لها نشر تقارير بشأن الأحداث المتعلقة به في إيران. وتحولت هذه التصريحات نفسها إلى أحد محاور الجدل حول عودته.
ترحيب وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية
قوبلت عودة نامجو بترحيب من جانب بعض وسائل الإعلام القريبة من الحكومة. وغطت وسائل الإعلام الرسمية عودته باعتبارها عودة فنان إيراني بعد سنوات من العيش خارج البلاد.
كما ركزت وكالة «إيرنا» الرسمية، في تغطيتها لعودة نامجو، على مواقفه «الوطنية» المعارضة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة. ودفع ذلك بعض وسائل الإعلام إلى تقييم عودته في إطار مساعي الحكومة لتشجيع الشخصيات الثقافية المقيمة خارج البلاد على العودة.
وكان وزير الثقافة الإيراني عباس صالحي، قال في وقت سابق، إن الحكومة اتخذت إجراءات لتسهيل عودة الفنانين والشخصيات الثقافية المقيمة خارج البلاد، وإنها أعدت قائمة تضم أسماء أكثر من 100 شخصية ثقافية وفنية وفكرية بهدف تسهيل عودتهم.
وبعد اندلاع الحرب الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026، عارض كثير من الشخصيات السياسية والثقافية الإيرانية المعارضة المقيمة خارج البلاد، الحرب والهجوم العسكري على إيران، ولا سيما الهجمات على البنى التحتية والمراكز المدنية، في حين أيد أنصار بهلوي ودعاة عودة الملكية الحرب.
لكن لماذا أثارت عودة نامجو كل هذا الجدل؟
يكمن السبب الأهم في التناقض بين صورة نامجو بوصفه فناناً عاش لسنوات خارج إيران وله سجل من المواقف الاحتجاجية، وبين الظروف السياسية والاجتماعية الراهنة في إيران.
وقد طرح بعض الناشطين والمحللين سؤالا مفاده: هل تمثل عودة نامجو مجرد قرار شخصي لزيارة عائلته، أم أنها يمكن أن تُستخدم دعائياً في إطار سياسة الجمهورية الإسلامية الرامية إلى إعادة الشخصيات الثقافية المقيمة خارج البلاد؟
ردود فعل معارضي الحكومة
كانت ردود فعل جزء من معارضي الجمهورية الإسلامية سلبية للغاية.
وذكّر منتقدو نامجو بأنه غادر إيران في الماضي بسبب ملف قضائي مرتبط بقطعة موسيقية تناولت آيات من القرآن، وأنه عاد الآن، بعد ما يقرب من عقدين، إلى بلد لا يزال الهيكل السياسي نفسه يحكمه.
ومن جهة أخرى، يرى فريق من المنتقدين السياسيين أن عودة فنان معروف من الخارج يمكن أن تمنح الحكومة فرصة لتقديم صورة عن «عودة الأوضاع إلى طبيعتها»، وإمكانية عودة المعارضين أو المنتقدين السابقين إلى البلاد.

وكان احد أهم أسباب رد الفعل السلبي من جانب جزء من أنصار بهلوي هي مواقف نامجو الصريحة المناهضة لرضا بهلوي.
فقد انتقد نامجو خلال الأشهر الماضية بشدة التيار المؤيد لرضا بهلوي. وكان يعارض أساساً تحويل رضا بهلوي إلى زعيم أو محور للمعارضة، كما أبدى شكوكاً بشأن قدرته على أداء دور سياسي. وأثارت هذه التصريحات ردود فعل حادة من أنصار بهلوي.
كما أعادت عودة نامجو إلى الواجهة مرة أخرى قضية الاتهامات الجنسية الموجهة إليه. وكان نامجو قد نفى في السابق اتهاما بالاغتصاب.
وفي الوقت نفسه، نشرت آزاده أخلاقي، المخرجة والفنانة وزوجة نامجو، مقطع فيديو وجهت فيه انتقادات حادة إليه، وقالت إن نامجو اختفى لمدة ستة أيام، وإنها شاهدت في نهاية المطاف صوراً له أثناء وصوله إلى مطار طهران، وعرفت من خلالها أنه عاد إلى إيران من دون أن يخبرها مسبقاً.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان نامجو سيواصل نشاطه الفني والغنائي في إيران أم لا.
كما لم يقدم المسؤولون القضائيون أو وزارة الثقافة حتى الآن توضيحاً رسمياً بشأن وضع ملفه القضائي السابق وإمكانية ممارسته نشاطه المهني في إيران.
وفي الخارج والداخل، وبين معارضي الجمهورية الإسلامية والقوى السياسية داخل إيران، أثارت عودة نامجو مواقف مؤيدة ومعارضة على حد سواء.
فقد رحبت صحيفة «سازندكي» الإصلاحية بعودته، ونشرت صورة كبيرة له على صفحتها الأولى تحت عنوان «في تراب الوطن»، وطالبت بمنحه الترخيص والسماح له بمواصلة نشاطه في البلاد. في المقابل، هاجمت صحيفة «كيهان» المحافظة المتشددة بشدة الصحيفة بسبب هذا الاقتراح. ووصفت كيهان نامجو بأنه مغنٍ «مسيء ومثير للجدل» وله سجل من «الإساءة إلى المقدسات»، وكتبت: «عاد محسن نامجو، المغني المسيء الذي قدم الهذيان على أنه أسلوب ولديه الإساءة إلى المقدسات في سجله، إلى إيران».
وبالنسبة إلى وسائل الإعلام الإيرانية، يمكن لعودة فنان معروف بعد ما يقرب من عقدين أن تمثل مؤشراً على إمكانية عودة الإيرانيين المقيمين خارج البلاد.
عودة محسن نامجو ليست مجرد حدث في عالم الموسيقى؛ فهذا الحدث يقع عند تقاطع الفن والهجرة والسياسة وحق العودة إلى الوطن، والعلاقة بين الفنانين والحكومة، والحركات الاجتماعية للإيرانيين المقيمين خارج البلاد.
المغنون الذين عادوا
نامجو ليس الحالة الوحيدة خلال هذه السنوات؛ فقد عاد قبله مغنون إيرانيون معروفون، من بينهم حبيب محبيان، وأحمد سعيدي، وقيصر، وكينغ رام، إلى إيران في فترات مختلفة، لكن تجارب هؤلاء لم تكن متطابقة. فقد عاد بعضهم لمواصلة نشاطه الفني، بينما واجه آخرون قيوداً، وتمكن بعضهم من اعتلاء المسارح في طهران مجدداً.
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، هاجر عدد كبير من المغنين والشخصيات الموسيقية الإيرانية إلى خارج البلاد. ولم تقتصر هذه الموجة على المغنين الذين كانوا ناشطين قبل الثورة، بل استمرت في العقود التالية مع مغادرة فنانين من الأجيال الجديدة أيضاً.
وحافظ جزء مهم من هؤلاء الفنانين، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، على نشاطهم المهني، ولا يزالون حاضرين في المشهد الموسيقي الإيراني خارج البلاد، كما انضموا إلى صفوف المعارضين والمنتقدين.
وواصل مغنون معروفون من جيل ما قبل الثورة، من بينهم غوغوش، وإبي، وداريوش، ومعين، وستار، وليلى فروهر، وشهرام شب‌بره، وأندي، نشاطهم في بلدان مختلفة بعد هجرتهم.
وأصبحت لوس أنجلوس واحدة من أهم مراكز نشوء واتشار موسيقى البوب الإيرانية خارج البلاد، وتشكّلت فيها شبكة من المنتجين والأستوديوهات ووسائل الإعلام ومنظمي الحفلات الموسيقية.
وفي العقود التالية، غادر عدد من مغني الأجيال الجديدة إيران أيضا، وواصلوا نشاطهم خارج البلاد. ومن بينهم محسن نامجو، وبنيامين بهادري، وساسي، وشادمهر عقيلي، وآرش، وغيرهم، حيث عمل كل منهم بطرق مختلفة في إنتاج الموسيقى أو نشر الأعمال أو إقامة الحفلات خارج إيران.
وإلى جانب الحفلات في أوروبا والولايات المتحدة، يقيم كثير من هؤلاء المغنين حفلات سنوية في مدن قريبة من إيران، من بينها إسطنبول ودبي ويريفان في أرمينيا، بحيث يتمكن سكان إيران أيضاً من حضور هذه الحفلات عبر القيام برحلة قصيرة ومنخفضة التكلفة نسبياً.
وخلال السنوات الماضية، تكررت التكهنات والأخبار غير الرسمية بشأن عودة عدد من المغنين الإيرانيين المعروفين المقيمين خارج البلاد. ومن أشهر هذه الحالات المغني الإيراني المعروف «معين»، المقيم في الولايات المتحدة.
وفي فترات مختلفة، انتشرت أخبار عن احتمال عودته إلى إيران، بل وعن اتخاذ ترتيبات لتمكينه من ممارسة نشاطه الفني، إلا أن هذه الأخبار لم تؤكدها المصادر المرتبطة به أو المسؤولون الرسميون، كما نُفيت بعض هذه التقارير.