دأب جان-بونوا بويش، وهو كاتب دقيق الحس، على تطوير قراءة تفسيرية لأعمال الكاتب بنيامين جوردان (1947-1994)، وذلك من خلال منشورات منتظمة: مقتطفات من يومياته، وملخصات لرواياته، ودراسات نقدية، وغيرها. وقد قادته ممارسته بوصفه محررا علميا إلى إقامة حوار مثمر مع الناقد إيف سافيني، وإلى توضيح أعمال جوردان، السرية والمستترة، والتي تظل، مع ذلك، بالغة الأهمية بالنسبة إلى معجبيه، أو إلى إثراء هذا الفهم بين حين وآخر. ولا يكاد يخرج شيء، في نهاية المطاف، من هذا العمل الهائل الذي أنجزه ج.-ب. بويش عن النشاط المشترك لباحث وأستاذ أدب متخصص في دراسة عمل أدبي فريد، لولا تفصيل واحد “بيسواوي” بامتياز: بنيامين جوردان، شأنه شأن إيف سافيني، لا وجود له قط. ولعل بيسوا يسامحني على استخدام هذا المصطلح الجميل، “الاسم الآخر” أو الهتيرونيم، في الحديث عن عمل بويش، إذ إن هذا هو جوهر المسألة فعلا: ثلاثة مؤلفين، أو أربعة إذا أخذنا في الحسبان أستاذ جوردان، بيير-ألان دولانكور، ينسجون مشروعا أدبيا، على نحو يشبه ما فعله برناردو سوارش، وريكاردو رييس، وألفارو دي كامبوش، وغيرهم كثيرون، في إثراء مشروع شاعر لشبونة السري العبقري.

وعلى تخوم هوية المؤلف، يشكل جوردان وسافيني ودولانكور وجوها متعددة، وتحققات محتملة لشخصية مبدعهم، ولما يعجب به أو يسعى إليه أو كان يمكن أن يسعى إليه. وإن وضع هذه الشخصيات في علاقة بعضها ببعض ليس سوى تخييل لتجربة القارئ الناقد؛ فهو يتيح، بفضل الحريات التي تفسحها ألعاب الفن، صقل الجوانب الأكثر جوهرية في الحوار بين الأعمال والكتّاب، وشحذها.

وربما يمنح السيد بويش إبداعاته، من حين إلى آخر، سمةً هنا، وتجربةً هناك، أو فكرةً في موضع آخر، وكلها مقتبسة من الخزان الهائل لتجربته الماضية؛ إذ لا يمكن لأي عمل تخييلي، حتى ذلك الذي يكرّس نفسه صراحةً لعالم المتخيَّل، ويبدو كأنه لا ينتمي إلا إلى محض ممارسة الاختلاق، أن ينفصل عن تجربة مؤلفه وحساسيته. أما كتاب “رواية قارئ” Le Roman d’un lecteur -الذي هو موضوع مقالتي هذه- وإن لم يكن جزءا من “دورة جوردان”، فإنه يمثل إضافة مهمة إلى مشروع السيد بويش. يتألف الكتاب من تسعة ملخصات لكتب، ومن استعادة ذاتية السيرة في نص أخير: ثمانية من الأعمال التي تُلخَّص بدقة وتُقرأ بعين نقدية حادة كتبها مؤلفون متخيَّلون، فرنسيون أو أجانب. وتنتمي كل رواية إلى جنس أدبي خاص بها: إثارة نفسية، ورواية مغامرات، وخيال علمي أميركي (تحية إلى بولانيو وإلى رائعته الصغيرة الأدب النازي في أميركا؟)، ورواية تكوّن، ورواية تاريخية، وقصة قصيرة (رائعة، لهنري جيمس)، وغير ذلك.

لكن ما يثير اهتمام السيد بويش ليس المؤلفون بقدر ما هي أعمالهم: فجيرار موسون، وبرنار لافارين، وبيير دافوان، وإريك سويدبرغ، لا يبدو أنهم مرشحون لأن يصبحوا بنيامين جوردان جددا في مجرّة هذا الكاتب. إنه ينغمس، في المقام الأول وبمتعة واضحة، في تلخيص وتحليل حكايات لم توجد قط. ومعظم هذه الحكايات، إن لم تكن كلها، تقدم حبكات روائية شديدة الإغراء، إلى حد أن القارئ يفاجئ نفسه بالبحث على الإنترنت ليتحقق مما إذا كانت هذه الأعمال المتنوعة إلى هذا الحد، والمفصلة خصائصها بهذه الدقة، ليست في الحقيقة سوى محض خيال. وكل نص منها، لو بُسط ليصبح رواية، كان يمكن أن يتيح للسيد بويش ممارسة ذلك التمرين المستحيل بالنسبة إليه: كتابة الخيال مباشرة، من دون وساطة، ومن دون طبقة نقدية ثانية أو ثالثة.

ولعل مثالا واحدا سيكون أكثر إيضاحا. ففي يقظة تييري برادلييه، يروي مهندس أميركي من أصل ألماني، يُدعى صامويل فريدِفالد، في يومياته الشخصية، أنه واقع تحت مراقبة أشخاص مجهولين، يزداد إلحاحهم كلما تقدمت الحبكة. وتجري الأحداث في ستينيات القرن العشرين. ولا يستطيع القارئ، وسط المظاهر المضللة التي تميز السرد بضمير المتكلم، أن يحدد ما إذا كان فريدِفالد مصابا بجنون الارتياب، أم أنه فعلا مطارد من قِبل أحد. هل هو نازي سابق؟ هل يلاحقه الموساد؟ أم مهاجرون ألمان؟ يتلاعب السرد بهذا الالتباس للحفاظ على انتباه القارئ. وهذه الحبكة، كما لُخّصت هنا من دون نهايتها – وهي النهاية التي يحللها السيد بويش، لكنني لن أكشفها هنا – كان يمكن، على الأرجح، أن تكون موضوع كتاب ممتاز.

غير أن ج.-ب. بويش، كما يعترف في موضع آخر، لا يستطيع أن ينخرط في كتابة هذه الحكايات ابتداء؛ فهو يحتاج إلى أن يتناولها من خلال وسيط: ملخص كتاب وقراءة نقدية له، وهما ما يمنحانه مسافة كافية عن عمله الخاص. ومع ذلك، فإن الاعتراف بالعجز عن كتابة الرواية لا يعني الاعتراف بالعجز الأدبي.

ومثال آخر على غنى هذه الطريقة: إن القصة القصيرة لهنري جيمس التي يقدمها الكتاب تبدو أكثر “جيمسية” من أكثر قصص جيمس جيمسيةً. ويجد المرء نفسه يحلم، كما حدث لبيير بايار حين حاول تحسين الأعمال “الفاشلة”، بما يمكن أن تفضي إليه هذه الطريقة في القراءة النقدية والتخييلية إذا طُبقت على مجموعات كاملة من الأعمال. يفاجئنا بويش هنا بكونه قارئا لجيمس؛ فهل يكشف لنا بذلك عن أحد مصادر تأثّره الأدبي؟ أم أنه يلعب ببساطة، مثل كثيرين غيره في السنوات الأخيرة، مع هذا المعلم القديم بوصفه مادة رائعة للخيال؟ وهل يمارس محاكاة ساخرة ل”القصص القصيرة عن الأدب” الشهيرة (مثل “النقش في السجادة”، و”إرث كوكسون”، و”المرة القادمة”، وغيرها)، التي لا يزال تأثيرها حيا في التفكير الأدبي حتى اليوم؟ يظل السؤال مفتوحا.

ملخصا بعد ملخص، ونصا بعد نص، يلتقط القارئ، على سطح حكايات لا يجمع بينها أي رابط شكلي، بروز خيوط سردية ومواقف وتفاصيل مشتركة. فالأعمال التخيلية التسعة، بعيدا عن أن تكون مجرد لصق اعتباطي لأوهام متناثرة جرى جمعها، على نحو أو آخر، بغرض نشرها، تتجاوب فيما بينها. وتحت طلاء تنوع المواقف، يدرك القارئ وجود تقاربات: تتكرر موضوعات بعينها، ويبدأ، شيئا فشيئا، نظام مشترك في الظهور تحت زخارف مختلفة.

أما الحكاية الأخيرة، وهي وداع سيرذاتي للرواية الواقعية، فهي نص لو جاء مستقلا لَبدا عديم الجدوى إلى حد كبير، لكنها تضيء انطباعات القارئ.

إن الموضوعات الكبرى التي تتكرر في هذه الحكايات ـ المنفى، والمودة والقطيعة بين الإخوة، وموت الوالدين ـ وكذلك أكثر التفاصيل هامشية، مثل نمذجة الطائرات، والروس البيض، والذئاب، والمناظر الطبيعية، كلها مستمدة من التجربة الشخصية للمؤلف. وهكذا تتردد أصداء جميع أوجه التشابه بين الملخصات، وكل تلك العودات والتشابهات الموضوعية والتفاصيل الغريبة، الصغيرة أو الهزلية، في النص الأخير الذي يستعيد، ويعيد وصل، بخفة ومرح، يكادان يشيان بالاستسلام، الخيوط التي نُسجت في الملخصات التسعة.

وفي فصله الأخير، يدفع السيد بويش عن نفسه القدرة على كتابة الرواية الواقعية الكبرى التي حلم بها طويلا؛ تلك الرواية التي كانت ستعيد جمع وتنظيم حصيلة تجاربه الأساسية، وتنسجها مع تفاصيل عاشها، وتزينها بأكثر الوقائع الهامشية عرضيةً في حياته الخاصة. لكن، ماذا فعل طوال هذه الملخصات النقدية التسعة سوى ذلك؟ لقد فضّل على الكتلة الضخمة للرواية الواقعية سلسلةً من النصوص الصغيرة، وهي محض أشياء تخييلية، لكنها حين تُرتَّب معا تشكّل، في الحقيقة، رواية واحدة شديدة الأصالة.

إذا كان التخييل الذاتي يمكن أن يكون مصدرا ثريا للتفكير في كتابة الرواية، أو في الأدب، أو، على نحو أكثر تواضعا، في كتابة الذات، فإن أكثر السبل إثمارا له، في رأيي، هي مثل هذه المسالك الذكية والمراوغة. إن العرض الخام والمبتذل للوقائع شائع جدا في الأدب الفرنسي منذ عشرين عاما. وحتى حين يتظاهر بأنه تخييلي أو فانتازي، أو حتى حين يتعمد الابتعاد عن الواقعية، فإنني أفضل عليه بكثير البناء المتأني، المثقف، والضارب بجذوره في الأدب، الذي يقدمه السيد بويش.

فنصه غرفة أصداء تكشف البنى والآليات التي تقوم عليها الكتابة الأدبية التخيلية، وتلتقط الكاتب في لحظة اشتغاله، في موقع الخالق. هنا تتقاطع جميع عمليات الاختلاق؛ ويخرج جان-بونوا بويش من كتلة أعماله، مثلما يبتعد قليلا عن تشابك أقنعته الثقيلة من الأسماء المستعارة – أو بالأحرى الهتيرونيمات ـ ليعرض بحرية العلاقة التي تربط، داخل أعماله، بين حياته التي عاشها، وحيواته التي حلم بها، وحيواته التي كان يمكن أن يعيشها.

إن كل نص يقدم رواية محتملة عن الذات، تصل الخيال بالحقيقة في تشابك من التجارب والاختراعات. وعلى القارئ أن يفكك خيوط هذا العمل، وأن يحكم هو أيضا، بقدر من الدقة والحساسية، على مدى وجاهة هذا التداخل التخييلي المفتوح.