ما يحدث من جانب قوات الإحتلال في جنوب لبنان منذ أيام، ما هو إلا حلقة ضمن سلسلة حلقات خبرها من يتابعون سياسات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في قطاع غزة وسوريا وجنوب لبنان، مفادها أن الرجل لديه خطة أمنية يسعى إلى تنفيذها على الأرض بشتى السبل.
قد يضطر إلى الدخول في مفاوضات مع حركة حماس للتهدئة، أو القبول بحوار مفتوح مع دمشق لتجميد الموقف، أو إجراء محادثات مع بيروت إزاء لواشنطن، لكنه لا يتخلى عن طموحاته في القضايا الإقليمية الرئيسية.
يبدو مسلسل جنوب لبنان الأكثر سخونة في الوقت الراهن، حيث يعد نموذجا (بروفة) لاختبار بعض الخطط الأمنية، وتحقيق تصورات إقليمية مختزلة، وجس نبض من يعنيهم الأمر مباشرة، بدءا من إيران وحزب الله والولايات المتحدة وحتى الحكومة اللبنانية، مرورا بمعرفة التأثيرات المتوقعة للخروقات الجديدة في الجنوب على انتخابات الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
يراهن نتنياهو حاليا على كسب معركة الجنوب اللبناني. لم تتدخل طهران، بما يوحي أنها قادرة على ضبط معادلة الاشتباك بالطريقة التي تتواءم مع مصالحها. صمتت الإدارة الأميركية بشكل أوحى أنها منحت ضوءا أخضر للمضي قدما في التصرفات الإسرائيلية ودعم الوضع الأمني الذي يريده نتنياهو.
لم تنقض بيروت اتفاق الإطار بينها وبين تل أبيب، ولا تزال تتمسك باستمرار الحوار، والاستعداد للدخول في الجولة الثامنة المقبلة في روما، التي لم يتحدد موعدها حتى الآن.
كما أن حزب الله يبدو مرتاحا للعمليات العسكرية الجديدة، لأنها تعزز وضعه كرقم رئيسي في المعادلة اللبنانية، يصعب تجاوزه من قبل رئيسي الدولة والحكومة، ومنحته إسرائيل الذرائع الكافية لتخفيف سقف التوقعات حول رهانات عون/سلّام التفاوضية.
ضربت إسرائيل عدة عصافير بحجر واحد. يشير الإصرار على احتلال منطقة علي الطاهر إلى أن حزب الله لا يزال يملك وجودا ميدانيا، وأن قوات الجيش اللبناني عليها أن تكون بديلا عمليا له، وهو ما خشيت من عواقبه رئاسة الأركان. ما هو مصيرها إذا دخلت القوات وأعادت إسرائيل انتهاكاتها؟ النتيجة معروفة: إحراج، تخاذل، ارتباك، تمكين قوات الإحتلال من الدخول والخروج بحرية، متى وكيف شاءت.
ربط التجاوزات الإسرائيلية في جنوب لبنان أو غيره بانتخابات الكنسيت وحدها بحاجة إلى تفكيك. نعم نتنياهو يريد بكل الطرق البقاء على رأس الحكومة، ويجد في التوترات على جبهات مختلفة مدخلا مناسبا، لكن فكرة الأحزمة الأمنية عملية ثابتة لم تتغير في عقيدته.
الكثير من القادة السياسيين والعسكريين يرونها صائبة. قد تكون الانتخابات زادت من وتيرة العنف، إلا أنها ليست الوحيدة التي دفعت إلى المشهد الحالي، والذي يعتقد الرئيس نبيه بري أنه بات مخضبا بالدم من أجل الفوز في الانتخابات.
لا يحتاج نتنياهو إلى انتخابات كي يغامر بعلاقته مع الرئس الأميركي دونالد ترامب. ولا يستطيع أن يختبر قوة جيشه على البقاء في منطقة واسعة بجنوب لبنان بحجة أنه يريد الفوز في الانتخابات.
الرجل يملك أجندة معلنة في تثبيت الأحزمة النارية ومنع تغييرها بموجب مفاوضات أو تفاهمات مع أطراف معينة. نجح في الحصول من واشنطن على وعود تخوّل له مواصلة العمليات العسكرية، ربما يلقى قدرا من اللوم الدبلوماسي، لكن في النهاية لم يتراجع أو يتوقف عن مخططاته في أي من المراحل التي رأينا فيها زخما تفاوضيا.
يتبع نتنياهو سياسة ما يعرف “خذ وفاوض” بشكل معكوس. النظرية وضعت لصالح الطرف الضعيف، والذي لا يملك قدرة في استرداد حقوقه بالقوة أو من خلال الطرق القانونية.
يمكن أن تطبق العبارة على حركة حماس، وعلى حكومتي دمشق وبيروت. آخر ما يمكن أن تنطبق عليهم هي الحكومة الإسرائيلية، لأن لديها اليد الطولى في غالبية الحروب، تقدم تنازلات بصعوبة، ولا تمنح وعودا سهلة.
أن تحصل قوات الاحتلال على مساحات جديدة في أثناء المحادثات هذه واحدة من القفزات التي ابتدعها نتنياهو. منذ القبول بمبدأ التفاوض على جبهات غزة وسوريا ولبنان، وإسرائيل توسعّ سيطرتها على بعض المناطق، بما تجاوز مرحلة ما قبل المفاوضات.
تكمن خطورة رؤية نتنياهو في قدرته على توظيف الوضع الميداني إنطلاقا من تراكم الخبرات والمعدات العسكرية، وضعف خصومه تدريجيا وحاجتهم إلى فترة هدنة، وتعويلهم دائما على الولايات المتحدة.
هذه وضعية يجيد رئيس الحكومة الإسرائيلية التعامل معها والاستفادة منها في تحقيق ما يضمره من أهداف خفية للدرجة التي تمكنه من إقامة الحجج على خصومه في الداخل والخارج. ينتقل من ساحة إلى أخرى، بحيث تصبح الساحة الجديدة مركزا للمحادثات وتتوارى الساحات القديمة.
عاد نتنياهو مؤخرا إلى ضبط بوصلته في غزة، بعد أن تصور البعض أنه قاب قوسين أو أدنى من الإنسحاب، وألغى خطة التهجير أو جمدها. هكذا الحال في جنوب لبنان. كل شيء عاد إلى سابق عهده كأن الجولات التفاوضية التي عقدت بشأن غزة وجنوب لبنان شيئا منسيا.
لا يعود ذلك إلى فطنته، لكن إلى ضعف خصومه وتشتت قواهم وعدم وجود ميزان جيد للقوى الدولية لمحاسبة المخطئين، ما جعله ينجح بمهارة في تبديل المسارات. على مدار نحو ثلاث سنوات، لم يتوقف نتنياهو عن الحرب على الجبهات الرئيسية. إذا توقفت أو هدأت على إحداها استأنفت في أخرى.
يقاتل الرجل الآن على كلها في وقت واحد. ربما تكون جبهة إيران هادئة نسبيا، لكن يمكن أن يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة. لا يزال نتنياهو يردد أنه يريد إسقاط النظام الإيراني، في رسالة ضمنية أنه ينتظر خطأ من طهران كي يعود إلى مهاجمتها، وهو ما تتجنبه قيادتها، حيث ابتلعت ما يحدث في جنوب لبنان، على الرغم من اصرار سابق على توحيد الجبهتين، خوفا من توفير مبررات لضربها بقوة من جانب إسرائيل قريبا، وخروج الولايات المتحدة (شكليا) من معادلة الحرب.
لن تتوقف رسائل نتنياهو في منطقة الشرق الأوسط. إذا شعر أن فرص نجاحه في انتخابات الكنيست ازدادت ضعفا، يمكن أن يلجأ إلى توسيع نطاق النيران العسكرية، على اعتبار أنها وسيلته الرئيسية لتحقيق مكاسب سياسية. بكلام آخر، ما يجري من تصعيد في جنوب لبنان سوف يستمر لفترة أخرى.
