ما يُميّز عاصم بزّي ليس كونه من الشعراء القلائل الذين يكتبون وينشرون الشِّعر باللغة الإنجليزيّة في بلدٍ عربيّ مثل لبنان. ولا كونه من تلك الشخصيّات الفريدة التي تتعثّر بها، على نحوٍ نادر، في المقاهي والحانات البيروتيّة. ولا حتّى لكونه جزءًا من المشهد الشبابيّ البيروتيّ الذي يبقى، بالنسبة إلى كثيرين ممّن يقفون خارجه، عالمًا شبه مجهول.

يستوقفني عاصم لأكثر من سبب. وبمنأى عن صداقتي وندامتي الطيّبة له، أرى فيه شيئًا خارج السّياق، وخارج الزّمان، وربّما خارج المكان أيضًا. مَن يعرف عاصم، الشاعر الموهوب بدرجةٍ كبيرة، يعرف أنّه يكاد يكون شخصيّةً سينمائيّةً مكتملة: المُدخّن الشّره، السقراطيّ العارف بنفسه، صاحب الفكاهة القاتمة، “النيويوركيّ” حبيس بيروت قسرًا، وواحدًا من قلّةٍ في هذه المدينة يعيشون على سجيّتهم، من دون اعتذارٍ عمّا هم عليه، أو اكتراثٍ زائد بما يظنّه الآخرون. بل قد يوافقهم، أحيانًا، إذا وجد أنّ لديهم أسبابًا وجيهةً لذلك.

أصدر بزّي هذا العام كتابه الشعريّ الثاني Endless Night، “الليلة الأبديّة”، عن دار Ornithopter Press، “أورنيثوبتر برس”، بعد أربعة أعوام على صدور كتابه الأوّل From Martyr to Rat، “من شهيد إلى جرذ” عن “برزخ”. وبين الكتابين، تبدّلت مدن، وأُغلقت حدود، وجاءت جائحة، وانفجرت أزمات وحروب، فيما ظلّت الفكرة الكابوسيّة الّتي بدأت في نيويورك تلاحقه حتّى بيروت: ماذا لو نزلت على العالم ليلةٌ لا تنتهي؟

بزّي شاعر وكاتب ومؤدٍّ لبنانيّ، حاضر في مشهد الأداء الشعريّ في بيروت منذ العام 2011. درس الأدب الإنجليزيّ في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، ثمّ تابع دراسة الماجستير في جامعة نيويورك.قدّم قراءات وعروضًا شعريّة في مسارح ومقاهٍ وحانات، ونشر نصوصًا في عدد من المجلّات والمنصّات الأدبيّة. في هذا الحوار مع “المدن”، يتحدّث عن كتابه الجديد، وعن المدينة التي لا تظهر في شعره كخلفيّة، بل ككائن، وعن الكتابة بالإنجليزيّة من بيروت، وعلاقته بالرفض والنشر، وعن شاعرٍ لا يريد أن يتحوّل إلى “علامة شخصيّة”، ولا يصدّق أنّ الذكاء الاصطناعيّ قادر، مهما أتقن اللغة، على امتلاك سببٍ حقيقيّ للكتابة.

 

أنهيتُ From Martyr to Rat، “من شهيد إلى جرذ” وأنا في نيويورك. بعدها بدأتُ أفكّر في مشروعٍ جديد، وسيطرت عليّ صورة بسيطة في البداية: ليلة لا تنتهي. تخيّلت شخصًا يستطيع أن يستدعي هذه الليلة إلى العالم، كأنّه يستدعي القيامة نفسها. كان الأمر أقرب إلى فكرة عبثيّة، لكنّها بقيت معي.

حين عدتُ إلى لبنان، كنت أعتقد أنّ إقامتي ستكون موقّتة. سنة إضافيّة ثمّ أغادر وأكمل حياتي في الخارج. لكن جاء العام 2019، وتلاحقت الأزمات، ثمّ جاءت الجائحة وأُغلق العالم. فجأة، لم تعد فكرة انهيار العالم مجازًا بعيدًا. صار هناك إحساس فعليّ بأنّ الأشياء كلّها تتوقّف في الوقت نفسه. عندها تغيّر الكتاب. لم يعد عن شخص يجلب ليلةً أبديّة إلى العالم، بل عن شخص يفعل ذلك لأنّه يريد أن يعيش داخلها. والمفارقة أنّ هذه الليلة، التي يُفترض أن تكون بلا نهاية، تبدأ هي نفسها بالانتهاء. وهذه أصبحت واحدة من أفكار الكتاب المركزيّة: لا شيء بلا نهاية. حتّى ما نعتقد أنّه أبديّ يموت أو يتغيّر.

في صورة ساخرة جدًّا، يمكن القول إنّ الكتاب عن شابّ يريد نهاية العالم، وحين يحصل عليها يبدأ بالحنين إلى العالم القديم. ثمّ يعود البشر، فيفسدونه مرّةً أخرى.

 

الطريف أنني، في أحد الأيام، كنت أمشي، وخطر لي فجأة شيء يشبه ما قاله زياد الرحباني في أغنية “قوم فوت نام وصير احلم”. فوجدت نفسي أردّ عليه، ربما بنوع من الغضب، وأقول: لا تحلم حتى، فقط اذهب إلى النوم. لا تحلم بأنّ البلد سيصبح بلدًا، أو أنّ الناس سيتغيّرون، أو أنّ شيئًا سيأتي وينقذك. لكنّ في ذلك تناقضًا طبعًا. حين تكتب “لا تحلم”، فأنت ما زلت تقوم بفعلٍ ما. أنت تكتب. أي إنّك لم تتخلَّ تمامًا عن فكرة أنّ الكلام يمكن أن يفعل شيئًا.

 

تمامًا. أنا لا أكتب قصائد متفرّقة ثمّ أجمعها في كتاب. أبدأ عادةً من فكرة الكتاب نفسه.

هذا مرتبط جزئيًّا بحبّي لـPink Floyd، “بينك فلويد”، وبفكرة concept album، “الألبوم القائم على مفهومٍ موحّد”. يمكن أن تستمع إلى كلّ أغنية منفردة، لكنّها حين توضع في مكانها داخل الألبوم تصبح جزءًا من عمل أكبر.

أفكّر بالطريقة نفسها في الشعر. كلّ قصيدة ينبغي أن تستطيع الوقوف وحدها، لكنّها داخل الكتاب تؤدّي وظيفة إضافيّة. هناك انتقال وإيقاع وبنية وعلاقة بين النصوص. لهذا استغرقت كتابة Endless Night سنوات. خلال الجائحة، مثلًا، كنت أجلس ليلًا وحدي، أحيانًا في العتمة ومن دون إنترنت، وأحاول أن أجرّد نفسي من الأشياء التي تمنحني شعورًا بالثبات.

ما معنى العائلة؟ ماذا تعني العلاقة بالآخر؟ ماذا تمنحني اللغة؟ ما الذي يبقى إذا نزعت عن الإنسان كلّ الأشياء التي يستخدمها لتعريف نفسه؟ لم تكن هذه أسئلة أضعها مسبقًا على ورقة، بل بدأت تدخل الكتاب تدريجيًّا، إلى أن أصبحت جزءًا من العالم الذي يبنيه.

 

لأنّي أعتقد أنّ فهم الإنسان يمرّ عبر فهم محيطه. ومحيطي أنا هو المدينة. تأثّرت بكتّاب جعلوا المدينة أكثر من خلفيّة. ريموند تشاندلر، مثلًا، يجعلها شبه شخصيّة. أحبّ أيضًا طريقة هنري ميلر في الكتابة عن شخص يمشي في المدينة ليلًا، وهناك همنغواي بالطبع. بالنسبة إليّ، لا أستطيع فصل الإنسان عمّا يحيط به. كيف يمشي؟ أين يجلس؟ ماذا يسمع؟ ماذا تفعل به الشوارع؟ هذه كلّها أجزاء من الحالة الإنسانيّة نفسها.

المدينة هي البيت والحضن والمكان الذي أعرفه. لكنّ علاقتك بها تتغيّر حين تغادر. أنا، مثلًا، لا أستطيع اليوم أن أكتب نيويورك كما كنت أكتبها حين كنت هناك. إذا كتبتها الآن، سأكتبها من خلال النوستالجيا. أيّ  سأكتب صورةً عنها، لا المدينة نفسها. وهذا يهمّني. هناك فرق بين مكانٍ يحتكّ بك يوميًّا ومكان أصبح موجودًا في الذاكرة فقط.

 

بالتأكيد. لستُ منجذبًا كثيرًا إلى الطبيعة بوصفها موضوعًا شعريًّا جاهزًا. ليست جزءًا مركزيًّا من تجربتي أصلًا.

ما يزعجني هو أن تتحوّل الطبيعة أحيانًا إلى وسيلة سهلة لإنتاج “الشعريّة”، أن تضع قمرًا أو شجرة أو نهرًا، فيُفترض تلقائيًّا أنّ النصّ صار أعمق. أنا أفضّل الكتابة عمّا أعرفه وأعيشه فعلًا، والمدينة أقرب إلى تجربتي بكثير.

 

لأنّ ذلك يمكن أن يتحوّل إلى أسلوب محفوظ. ليس كلّ سؤال عميقًا لمجرّد أنّه سؤال. أفضّل أن يقدّم الشعر إجابات، حتّى لو كانت خاطئة. الإجابة الخاطئة قد تكون أكثر إثارة إذا كانت قويّة وتدفعك إلى التفكير. لا أطلب من القصيدة أن تكون “صحيحة”، لكنّي أحبّ أن يكون لديها موقف أو ادّعاء أو احتمال تقترحه عليك. أن تقول شيئًا يمكن للقارئ أن يصطدم به، بالنسبة إليّ، أكثر إثارة من طرح سؤال وتركه معلّقًا لمجرّد إنتاج الغموض.

 

لأنّه اختزاليّ جدًّا. سؤال “ما فائدة الشعر؟” يفترض أصلًا أنّ عليه أن يؤدّي وظيفة مباشرة، كأن يكون منتجًا نحتاج إلى قياس نتائجه. أحيانًا تكتب لكي تحفظ شيئًا من الاختفاء. وأحيانًا لكي تتحدّث عن شيء لا يتحدّث عنه أحد. وأحيانًا لكي تجبر شخصًا آخر على أن يجلس أمام فكرةٍ ما ويفكّر فيها. الأدب أيضًا مساحة تستطيع فيها اختبار أفكار ربما لا يمكنك اختبارها خارج النصّ. يمكنك أن تضع فكرة قاسية أو غير مقبولة أو مخيفة داخل العمل، لا لأنّك تتبنّاها، بل لأنّك تريد أن ترى إلى أين تقود.

لهذا أرى الأدب مساحة حرّيّة وتجريب، لا مجرّد وسيلة للتنفيس.

 

 

لا أخاف كثيرًا على الشعر. مَن يقرأ قصيدة أو يشاهد فيلمًا يبحث، في النهاية، عن إنسان خلف العمل. عن شخص عاش شيئًا، وخسر شيئًا، وخاف من شيء، وكان لديه سبب لكي يكتب. قد تستطيع الآلة أن تقلّد الأسلوب أو الإيقاع أو الجماليّات، لكنّها لا تملك الرهانات نفسها. لا خوف لديها يدفعها إلى الكتابة. الذكاء الاصطناعيّ لا يملك سببًا للكتابة. لديه prompts، “تعليمات أو أوامر نصيّة”. وخلال الكتابة نفسها، تحصل أشياء لا تكون مخطَّطة. قد تغيّر كلمة، فيتغيّر السطر كلّه. قد تلمع فكرة لم تكن موجودة قبل دقيقة. هذه العمليّة جزء من العمل الفنّي نفسه. حين تختزل الأمر إلى prompt، أو “أمر نصّي”، يختفي بعض “اللحم” الموجود خلف النصّ.

هذا لا يعني أنّ الذكاء الاصطناعيّ لن يؤثّر في مجالات مثل الترجمة أو الكتابة التقنيّة، وربّما يخسر أشخاص وظائفهم فعلًا. لكنّي لا أعتقد أنّه يستطيع إلغاء حاجة الناس إلى الشعور بأنّ إنسانًا آخر كان هنا وقال شيئًا، لأنّ قوله عنى له شيئًا.

 

بصورة سيّئة جدًّا على الأرجح. يُفترض أن أستخدم، “إنستغرام”  أكثر، وأن أكون نشطًا على المنصّات، لكنّي لا أفعل.

لم أستخدم “تيك توك” في حياتي. و “فايسبوك” صار بالنسبة إليّ مكانًا أرى فيه صور أشخاص ماتوا.

حين يصدر كتاب، تتولّى دار النشر جزءًا من الترويج، وأخبر أصدقائي، ونقيم قراءات وفعاليّات. هذا مفهوم بالنسبة إليّ.

لكن أن أتحوّل أنا نفسي إلى مشروع ترويجيّ دائم، فليس هذا شيئًا أريده. كانت لديّ تجربة في إنستغرام بحساب ساخر اسمه Serious Poet، “الشاعر الجدّي. كانت ممتعة حين لم يأخذها أحد بجدّيّة. وكلّما بدأ الناس يتعاملون معها بجدّيّة أكبر، صارت أقلّ متعةً بالنسبة إليّ، فتوقّفت. أنا ديناصور قليلًا في هذا الموضوع.

حصل ذلك من دون قرار واضح. درستُ في مدرسة فرنسيّة، وكان من المفترض أن تكون العربيّة والفرنسيّة هما اللغتين الأساسيتين. لكنّي تعلّمت الإنجليزيّة إلى حدٍّ كبير وحدي، من التلفزيون والرسوم المتحرّكة والكتب. كنت أشاهد Bugs Bunny، وألتقط الكلمات، ثمّ بدأت أقرأ أكثر بالإنجليزيّة. حين بدأت الكتابة في الخامسة عشرة تقريبًا، كانت قد أصبحت اللغة التي أستهلك بها جزءًا كبيرًا من الثقافة والأدب. أنا أحبّ العربيّة، وهي لغتي الأمّ والثقافيّة، لكنّ الإنجليزيّة هي، بمعنى ما، اللغة التي أفكّر وأحلم بها. لذلك جاءت الكتابة بها طبيعيّة.

 

لم أشعر بذلك بهذه الطريقة. دخلتُ المشهد الشعريّ في بيروت نحو العام 2011. كان هناك مكان في أوّل الحمرا اسمه Alt city “المدينة القديمة”، وكانوا يحضّرون لفعاليّة أدبيّة بينما المكان نفسه ما زال قيد التجهيز. قلت لهم ببساطة: حين تقيمون الأمسية، ضعوا اسمي في اللائحة. وهكذا بدأت. تعرّفت في تلك الأمسية إلى شعراء وكتّاب، وصرت أقرأ معهم. كنت من قلّة تقرأ بالإنجليزيّة، فيما الغالبيّة تقرأ بالعربيّة، لكنّ ذلك لم يمنع التواصل مع الجمهور. وبالطبع تغيّر المشهد اليوم. كلّ جيل يخلق فضاءاته وطريقته في الاستماع والقراءة. لديّ ملاحظات كثيرة على الشعر العربيّ، لكن لا أعتقد أنّني الشخص الذي ينبغي أن يقرّر مشكلته أو طريقة إصلاحه. كما يقول التعبير الإنجليزيّ: Not my monkey, not my circus “ليس قردي، وليس سيركي”.  ليست معركتي.

 

تتعلّم أن تعتبره جزءًا من العمل. بدأت العمل على الكتاب الأوّل نحو عامي 2012 و2013. أنهيت جزءًا منه، وأرسلته إلى دور نشر، ولم يُقبل. ثمّ ذهبت إلى نيويورك العام 2017، وكتبت الجزء الثاني. لاحقًا أدركت أنّ من الجيّد أنّ الجزء الأوّل لم يُنشر وحده، لأنّ الكتاب كان يحتاج إلى الجزأين معًا. ومع ذلك استمرّ الرفض. كلّ ناشر لديه خطّه وجمهوره وما يبحث عنه، وأحيانًا لا تعرف لماذا رُفض الكتاب أصلًا.

حين عدت إلى لبنان، رأيت إعلانًا لـ”برزخ” عن استقبال مخطوطات، فأرسلتُ الكتاب، وصدر لاحقًا العام 2022. لكنّ ردًّا من دار أخرى بقي في رأسي. قالوا إنّ الكتاب too niche، “محدود الجمهور أو متخصّص أكثر من اللازم”.

وفكّرت: الشعر أصلًا niche “محدود الجمهور”،  فكيف يكون الشعر “أكثر تخصّصًا من اللازم”؟

 

الناشران كانا متعاونين ومحترمين، لكنّ الناشر الجديد تحدّاني أكثر في بعض المواضع. طلب منّي توسيع مقاطع أو إضافة سطور. في النهاية لم أضف أكثر من أربع أو خمس جُمل، لأنّي كنت أشعر أنّ النصّ وصل إلى توازنه. لكنّ بعض الاقتراحات أنتج فعلًا سطوراً أحببتها. وفي أماكن أخرى تمسّكت بما كتبت.  وفي لحظة كهذه أقول للمحرّر: اتركها. للشعر منطقه الخاص.

 

 

عدد قليل جدًّا من الشعراء يعيش من الشعر وحده. حتّى تاريخيًّا، كان الشعراء يعتمدون على أشكال من الرعاية، وكان هناك دائمًا patron، “راعٍ أو ممّول”، قبل وجود Patreon، “باتريون”، منصّة التمويل الجماهيريّ بوقت طويل. لكنّي اكتشفت أخيرًا أنّني أريد فعلًا أن أدرّس الأدب. أن يدفع لك أحدهم كي تقرأ ما تحبّه، وتقرأ الدراسات المكتوبة عنه، ثمّ تدخل إلى قاعة وتناقش ذلك مع أشخاص جاؤوا لأنّ الموضوع يعني لهم شيئًا، يبدو لي حلمًا. لذلك أفكّر جديًّا في التدريس الجامعيّ.

وفي الوقت نفسه، سأستمرّ في الكتابة. بدأت العمل بالفعل على الكتاب الثالث، وأعتقد أنّه يحتاج نحو سنتين. بعدها سأرسله إلى دور النشر، وأنتظر ما يحدث. وهذه، في النهاية، هي العمليّة كلّها: أكتب، أنشر، أقرأ، ثمّ أبدأ من جديد، إلى أن أموت.