عاد ملف انفجار مرفأ بيروت للواجهة قبل ساعات بصدمة سياسية وقضائية ثقيلة، بعدما حملت مطالعة النيابة العامة التمييزية مسؤوليات تطاول مستويات عليا في الدولة، من رئيس الجمهورية السابق ميشال عون إلى رئيس الحكومة السابق حسان دياب ووزراء ومسؤولين أمنيين وقضائيين وإداريين.
وبعد أكثر من ست سنوات على كارثة الرابع من أغسطس (آب) عام 2020، يعيد هذا التطور طرح السؤال الذي رافق التحقيق منذ بدايته: هل تصل المحاسبة إلى أصحاب القرار، أم تتوقف مجدداً عند حدود الحصانات والنفوذ؟
في الـ15 من سبتمبر (أيلول) 2026، سلم المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب مطالعته بالأساس إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، داخل مغلف حمل عبارة Justice for all، أي “العدالة للجميع”. وبحسب المعلومات المنشورة، تقع المطالعة في 260 صفحة، وتتناول أوضاع 73 مدعى عليه، من بينهم شركات، وتحدد المسؤوليات وفق موقع كل طرف ودوره.
وتصدر اسم الرئيس السابق ميشال عون، الذي تسلم سدة الرئاسة بين 2016 و2022، التطور الجديد، بعدما سرب عن مصدر قضائي أن النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام إليه على خلفية علمه المسبق بوجود مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ العاصمة وخطورتها، من دون اتخاذ الإجراءات اللازمة أو طرح الأمر أمام المجلس الأعلى للدفاع. وهو طلب وصفته التغطيات بأنه يتعلق بالإهمال الجنائي، ويضع تصرف رئيس الجمهورية حيال التحذيرات في صلب البحث القضائي.

النيابة العامة طلبت توجيه الاتهام إلى ميشال عون على خلفية علمه المسبق بوجود مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت (ا ف ب)
ووردت في المطالعة أسماء ووزيري الأشغال السابقين غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، ووزير المال السابق علي حسن خليل، ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق. وبعض هؤلاء كان مشمولاً بالادعاء سابقاً، لكن المطالعة تعيد تحديد الموقف من مسؤولياتهم، وتضع المسار القضائي أمام استحقاق الانتقال إلى القرار الاتهامي.
تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعيد مساءلة الطريقة التي تعاملت بها السلطة اللبنانية مع خطر محدد ومعروف، فالمسؤولية المطروحة تتجاوز وجود مادة خطرة في مستودع بالقرب من أحياء سكنية ومدنية، إلى مضمون التحذيرات التي وصلت إلى المسؤولين قبل أشهر وسنوات من الانفجار، وما امتلكوه من صلاحيات، والإجراءات التي اتخذوها أو امتنعوا عنها.
وهنا تطرح تساؤلات عدة من بينها “هل كانت المراسلات كافية؟ وهل انتهى واجب المسؤول بمجرد إحالة تقرير إلى مرجع آخر، فيما بقي الخطر قائماً وسط العاصمة؟”.
ميشال عون متهماً
في حالة عون، أعادت مصادر مقربة منه التذكير بأن الرئاسة تلقت تقرير أمن الدولة في الـ20 من يوليو (تموز) 2020، أي قبل الانفجار بفترة قصيرة، وأن مستشاره العسكري والأمني أبلغ حينها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع لإجراء اللازم. وهذا الموقف يحدد موضع الخلاف، الذي يتمحور حول مدى كفاية الإجراء المتخذ بعد العلم بالخطر.
أما المرجع المختص بالملاحقة والمحاكمة، وما إذا كان طلب النيابة قبل ساعات سيترجم إلى اتهام، فيبقيان مسألتين لم تحسما بصدور المطالعة وحدها.
وتحضر هنا أيضاً سنوات التعطيل والنزاع على أذونات الملاحقة، فقد سبق أن واجه القاضي طارق البيطار رفض المجلس الأعلى للدفاع، برئاسة عون، منح الإذن بملاحقة المدير العام لأمن الدولة آنذاك اللواء طوني صليبا، إلى جانب عراقيل أخرى طاولت استجواب مسؤولين. لذلك، فإن عودة الأسماء الكبيرة للواجهة تفتح سؤالين متلازمين، الأول يتعلق بالمسؤولية عن الوقائع السابقة للانفجار حتى وقوعه، والثاني حول المسؤولية السياسية عن تعطيل الوصول إلى الحقيقة بعده.
وبحسب المعلومات وما كشفت عنه تقارير ووكالات في الساعات الماضية، فإن المطالعة بحثت الأدلة وأوضاع المدعى عليهم، بمن فيهم الصادرة في حقهم مذكرات توقيف، وطلبت منع المحاكمة عن بعضهم. كما تناولت صلاحيات ملاحقة السياسيين والقضاة، وهي عقدة سبق أن فجرت الخلاف بين البيطار والنائب العام التمييزي السابق غسان عويدات. وتظل المطالعة غير ملزمة للمحقق العدلي، الذي يملك الأخذ بطلباتها أو مخالفتها، وفق تقديره للأدلة والقانون.
وتناولت المطالعة مسار الشحنة التي حملت مادة النيترات من جورجيا إلى لبنان، وظروف إدخالها وتخزينها، واحتمال وجود جهات مرتبطة بها، وصولاً إلى سبب الكارثة، بين إهمال أدى إلى الانفجار، أم عمل أمني مدبر، أم استهداف إسرائيلي. غير أن تناول هذه الاحتمالات لا يكشف تلقائياً عن أيها اعتمدته النيابة، فالنص الكامل لم ينشر، والخلاصة الفنية تحتاج إلى إعلان قضائي واضح.
كيف وصل النيترات إلى مرفأ بيروت؟
بالعودة لأصل القضية، تتمحور القراءة المنقولة عن مصادر قضائية حول روايتين لوصول النيترات وبقائها في بيروت، يتوقف على حسمهما فهم جزء أساس من المسؤوليات.
الرواية الأولى تفترض أن إدخال النيترات كان مقصوداً، وأن الرحلة التجارية المعلنة وتعدد الشركات والوسطاء شكلا مساراً للتمويه على الوجهة الفعلية للشحنة. ووفق هذه الفرضية، كانت المادة معدة لاستخدام “حزب الله” في تصنيع أسلحته وصواريخه، أو لنقلها إلى نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد لاستخدامها في متفجرات، ومنها البراميل المتفجرة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الحزب وعلى لسان أمينه العام السابق حسن نصرالله كان نفى علانية أية علاقة لحزبه بهذه المادة، أو بإدخالها إلى مرفأ بيروت.
في هذه القراءة، يصبح دخول السفينة إلى بيروت بداية البحث في عملية إمداد محتملة، وتشمل جملة أسئلة جوهرية: من مول الشراء؟ من قرر تغيير المسار وصولاً إلى لبنان؟ من تولى تسهيل التفريغ والتخزين؟ وهل خرجت كميات من العنبر إلى جهات أخرى؟ وإذا ثبتت هذه الفرضية، فإن المسؤوليات تمتد إلى المستفيدين والمنظمين والمسهلين، وإلى أية حماية أتاحت استخدام المرفأ لهذا الغرض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما الرواية الثانية، فتقوم على الصدفة والتعثر التجاري والإهمال المتراكم. ووفقها، كانت باخرة “روسوس” تنقل نحو 2750 طناً من نيترات الأمونيوم من جورجيا إلى موزمبيق، قبل توقفها في بيروت في خريف عام 2013. وبحسب قبطان الباخرة، كان الهدف تحميل معدات إضافية لتوفير المال اللازم لمتابعة الرحلة وعبور قناة السويس في البحر الأحمر. وهذه المعدات كانت للمسح الزلزالي، وتشمل آليات، وكان مقرراً نقلها من بيروت إلى الأردن.
لكن عملية التحميل تعثرت، وظهرت مشكلات في صلاحية السفينة للإبحار، وتراكمت الديون والحجوزات، فانتهى الأمر ببقائها في المرفأ. وفي عام 2014، نقلت النيترات إلى العنبر رقم 12، حيث استقرت لسنوات.
وتمنح معطيات تجارية هذه الرواية ما يستحق الفحص أيضاً، إذ وثق تحقيق لشبكة OCCRP، التي تعني “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد”، وهي منظمة صحافية استقصائية دولية غير ربحية، شحنات أخرى من النيترات أرسلت إلى موزمبيق خلال عام 2013. وهذا يجعل الوجهة المعلنة قابلة للتصديق، من دون أن يحسم مصير شحنة بيروت أو ينفي احتمال استغلالها لاحقاً.
وإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإن حجم المسؤولية يبقى هائلاً، فالتعثر المالي يفسر توقف سفينة، لكنه لا يبرر إبقاء حمولتها الخطرة سنوات قرب الأحياء السكنية. والحجز القضائي لا يعفي الجهات المعنية من تأمين المادة، كما أن تبادل الكتب بين الإدارات المعنية في الدولة اللبنانية لا يزيل الخطر. عندها يصبح الانفجار نتيجة سلسلة من القرارات المؤجلة، والإجراءات الناقصة، والمسؤوليات التي انتقلت بين المكاتب من دون معالجة فعالة.
إنجاز متسارع
وزير العدل عادل نصار أثنى على الجهود التي بذلتها النيابة العامة التمييزية، ولا سيما المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، لإنجاز المطالعة في ملف انفجار مرفأ بيروت، مشيراً إلى أن العمل المكثف أتاح إتمامها في وقت أقصر من المتوقع، مع الحفاظ على الجدية والدقة اللتين تقتضيهما القضية.
وأوضح أن شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل كان يمثل الحد الأقصى المقدر لإنجاز المطالعة، فيما انتقل الملف، بعد تسليمها، إلى مرحلة يدرس فيها المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مضمونها تمهيداً لإصدار قراره الاتهامي. ويؤكد أن القضاء يعمل بأسرع وتيرة ممكنة من دون تسرع، مدركاً حجم الكارثة وانتظار المجتمع للحقيقة.
ويرجح وزير العدل صدور القرار الاتهامي قبل نهاية العام، مع امتناعه عن تحديد موعد دقيق، مشدداً على أن المعنيين بالملف يدركون مسؤولياتهم وحساسية المرحلة المقبلة.

انفجار المرفأ أدى إلى مقتل وإصابة الآلاف في بيروت (ا ف ب)
حصانة دستورية
بدوره يؤكد عضو مكتب الادعاء في نقابة المحامين الخاص بانفجار مرفأ بيروت المحامي شكري حداد أن إنجاز مطالعة النيابة العامة التمييزية وتسليمها إلى المحقق العدلي يشكلان محطة أساسية، باعتبارها أول موقف قضائي رسمي شامل للنيابة العامة من التحقيق، لكنه يشدد على أن المطالعة سرية، ولذلك لا يمكن تأكيد المعلومات المتداولة عن مضمونها أو التعليق عليها إيجاباً أو سلباً باعتبارها وقائع ثابتة.
وبما يتعلق بالرئيس السابق ميشال عون، يرى حداد، استناداً إلى قراءته للمادة 60 من الدستور، أن ملاحقته عن أفعال مرتبطة بفترة توليه الرئاسة تخضع لمسار دستوري خاص، حتى بعد انتهاء ولايته. ويوضح أن الاتهام، وفق هذه الآلية، يعود لمجلس النواب بغالبية ثلثي أعضائه، فيما تكون المحاكمة أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وليس عبر الادعاء المباشر أمام المحقق العدلي أو المحاكم الجزائية العادية.
ويؤكد حداد أن هذه الخصوصية لا تعني تعطيل محاكمة سائر المسؤولين في القضية، فالمطالعة غير ملزمة للبيطار، الذي يستطيع الأخذ بها كاملة أو جزئياً أو مخالفتها، قبل إصدار قراره الاتهامي وإحالة المشمولين به إلى المجلس العدلي. ويشير إلى أن ورود أسماء إضافية قد يستدعي إجراءات جديدة، وفق ما يقرره المحقق العدلي في ضوء الملف ومطالب النيابة العامة.
تحديد المسؤوليات
ويرى الصحافي المتخصص في الشؤون القانونية يوسف دياب أن تسليم القاضي محمد صعب المطالعة إلى القاضي طارق البيطار يفتح مرحلة من التعاون بين المحقق العدلي والنيابة العامة التمييزية، تختلف عن القطيعة التي طبعت العلاقة خلال ولاية النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات. ويشير إلى أن اجتماعاً استمر نحو ساعة جمع صعب والبيطار عند تسليم المطالعة، وتناول التعاون في الإجراءات المقبلة وصولاً إلى القرار الاتهامي.
وبحسب ما يكشف عنه دياب، تناولت المطالعة أوضاع نحو 73 مدعى عليه، وطلبت اتهام بعضهم بجرائم محددة، في مقابل كف التعقبات أو منع المحاكمة عن آخرين، وحددت المسؤوليات المتصلة بالسياسيين والقضاة والأمنيين. كما أبدت رأياً في أسباب الانفجار، انطلاقاً من التحقيقات والأدلة والاستنابات القضائية، ضمن الاحتمالات المتعلقة بالإهمال أو العمل الأمني أو الاستهداف الإسرائيلي.
ويضيف أن المطالعة بحثت احتمال ارتباط جهات لبنانية باستيراد نيترات الأمونيوم من جورجيا، أو بما حصل يوم الرابع من أغسطس عام 2020، مع بقاء التفاصيل خاضعة للسرية. ويشدد على أن الادعاء على شخص لا يعني حكماً اتهامه، فالقرار المرتقب سيحدد مسؤولية كل طرف وفق الأدلة، سواء تعلقت بالإهمال أم التقصير أم التواطؤ. وبعد صدوره، ينتقل الملف إلى المجلس العدلي، الذي يفصل في الاتهامات خلال المحاكمة، فيما يتيح نشر القرار للرأي العام الاطلاع على الوقائع التي استند إليها التحقيق.
