ناقشت جلسة «حوار مع وزراء الإعلام العرب»، سبل محافظة الدولة على حضورها وتأثيرها في مشهد إعلامي متسارع، تتعدد فيه المنصات وتتداخل فيه مصادر المعلومات، ولا تمتلك فيه المؤسسات الرسمية جميع أدوات صناعة المحتوى وتوجيهه.
وشارك في الجلسة التي أدارتها الإعلامية نوفر رمول من مؤسسة دبي للإعلام، الدكتور رمزان النعيمي، وزير الإعلام في مملكة البحرين، والدكتور خالد زعرور، وزير الإعلام في الجمهورية العربية السورية، والدكتور محمد المومني، وزير الاتصال الحكومي في المملكة الأردنية الهاشمية، وضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام في جمهورية مصر العربية، حيث تناولوا تحولات الإعلام الرسمي، وتأثير الذكاء الاصطناعي، ومعركة المصداقية، وحرب الروايات والسرديات، ودور الإعلام المهني في حماية المجتمع وتعزيز حضور الدولة في الداخل والخارج.
وأكد الدكتور رمزان النعيمي أن المؤسسات الإعلامية الرسمية تواجه مشهداً إعلامياً متغيراً، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة جديدة في عملية الإنتاج الإعلامي، وإنما نقلة كبرى في مسار الإنسانية، بدأت معها غرف الأخبار في الاستفادة من تقنياته لدعم عمليات الإنتاج والتحرير ومعالجة المعلومات.
وأوضح أن الأزمات الأخيرة، ومن بينها الاعتداءات الإيرانية، شكلت فرصة للمؤسسات الإعلامية لبناء الثقة مع الجمهور، خصوصاً في ظل انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، لافتاً إلى أن الأزمة كشفت كذلك عن تراجع مصداقية عدد من المؤسسات الإعلامية.
وأشار إلى أن دور المؤسسات الإعلامية لا يقتصر على نقل الأخبار، وإنما يمتد إلى توعية الجمهور وتقديم المعلومات الموثوقة التي تحمي المواطن، مؤكداً أن المصداقية تمثل أساس العلاقة مع الجمهور، وأن فقدانها يعني خسارة هذا الجمهور.
وشدد على أن الإعلام الرسمي لا ينظر إلى التطورات المتسارعة في المجال الإعلامي باعتبارها تهديداً، بل باعتبارها تحولات تستوجب مواكبتها والاستفادة منها.
من جانبه، أكد الدكتور محمد المومني أن التحدي أمام المؤسسات الإعلامية والحكومية مستمر، في ظل ضيق الوقت المتاح لبث المعلومات، مشدداً على ضرورة التحلي بالدقة حتى عندما تكون المعلومة غير مكتملة، لأن سرعة النشر لا ينبغي أن تأتي على حساب المهنية والمصداقية.
وأوضح أن تقديم المعلومة بمهنية، وتفسيرها بوضوح إلى جانب استقلال المؤسسات الإعلامية وعدم تسييسها، هي عوامل أساسية لبناء الثقة مع الجمهور.
وقال إن المنطقة تعيش «حرب روايات وسرديات» تستهدف التأثير في الرأي العام، ما يفرض تحصين المجتمعات من محاولات العبث بالوعي، وتقديم السرديات الوطنية في قوالب إعلامية محترفة وقادرة على الوصول إلى الجمهور.
وأضاف إن الإعلام الرسمي يؤدي دوراً في الدفاع عن الوطن من خلال مواجهة السرديات المضللة ومحاولات العبث بالرأي العام، مشيراً إلى أن المؤسسات الرسمية أظهرت أداءً مهنياً خلال الأزمة الأخيرة، فيما يبقى التحدي في إيصال السردية العربية إلى العالم بصورة أكثر فاعلية.
بدوره، أكد الدكتور خالد زعرور أهمية تهيئة البيئة التشريعية والقانونية المناسبة للعمل الإعلامي، وتعزيز الثقة بالإعلام الرسمي، التي وصفها بأنها ما زالت بحاجة إلى مزيد من البناء. وشدد على أن السرعة ليست المعيار الوحيد في العمل الإعلامي، وأن المصداقية يجب أن تظل في مقدمة المعايير.
وأشار إلى أن الحاجة باتت أكبر إلى مثل هذه القمم التي تتيح تبادل الخبرات والتجارب العربية، مؤكداً أهمية تشخيص واقع الإعلام بصورة دقيقة للوصول إلى حلول عملية لمشكلاته. وقال إن سوريا حرصت على تهيئة البيئة القانونية للعمل الإعلامي، انطلاقاً من أهمية تطوير المنظومة الإعلامية بما يواكب التحولات المتسارعة.
وأكد أن المعلومة أصبحت تصل إلى الجمهور بسهولة وسرعة، إلا أن سرعة الوصول لا تعني بالضرورة جودة المعلومة، موضحاً أن مهمة الإعلام الرسمي تتمثل في تقديم المعلومة الصحيحة ضمن سياقها الصحيح، مضيفاً أن تطور الإعلام يرتبط أيضاً بضبط التعريفات والمصطلحات، وتقديم المعلومات بوضوح ودقة، باعتبار ذلك نقطة البداية لبناء خطاب إعلامي أكثر فاعلية.
ولفت إلى أن الصور الذهنية لدى الجمهور تمثل أحد التحديات التي يواجهها الإعلام في سوريا، مشدداً على ضرورة أن يقدم الإعلام الحقيقة حتى عندما لا تتوافق مع بعض التحيزات، والعمل في الوقت نفسه على توعية المجتمع وتوفير البيئة التي تساعده على تقبل الحقائق.
وأوضح أن التوجه الإعلامي في الداخل السوري ركز على ما وصفه بـ«إنجازات الإلغاء»، ومنها إلغاء السجون ومحاكم الإرهاب، فيما شمل التوجه إلى الخارج إطلاق منصات إعلامية بلغات متعددة، إلى جانب السماح بدخول أعداد كبيرة من الصحفيين إلى سوريا، بهدف نقل صورة مباشرة عن الواقع.
من جهته طرح ضياء رشوان تصوراً مختلفاً لمفهوم الإعلام الرسمي، قائلاً إنه لا يفضل استخدام هذا المصطلح، موضحاً أن مصر تضم إعلاماً تابعاً للدولة وإعلاماً تابعاً للأحزاب، وأن الأصل هو أن تعمل الدولة على تسهيل عمل الإعلام وليس فرض الوصاية عليه.
وأكد أن الإعلام المهني والمحترف هو الذي يخدم الدولة، لأنه يتيح الوصول إلى المواطن الذي قد لا يثق في الخطاب الرسمي، مشيراً إلى أن صفحات التواصل الاجتماعي بدأت في بعض الحالات بصناعة الأخبار وجذب الجمهور، مستفيدة من غياب أو تراجع حضور الإعلام المهني.
ورأى أن تعزيز الإعلام المهني والمحترف من شأنه أن يعيد تنظيم العلاقة مع الجمهور ويحد من تأثير الصفحات غير الموثوقة، مشيراً في الوقت نفسه إلى عدم الرضا عن مستوى التعاون بين المؤسسات الإعلامية العربية، والحاجة إلى تنسيق أكبر.
وأكد أن للعرب رواية وسردية خاصة يمكن أن تخاطب الخارج، وأن المطلوب هو رفع مستوى التنسيق الإعلامي العربي لإيصال هذه السردية بصورة أكثر حضوراً وتأثيراً، لافتاً إلى أن الرواية لن تحظى بالتصديق الكامل من الجميع، لكن علينا أن نظهرها بحيث يصدق أكثرها، في إشارة إلى أهمية الحضور الإعلامي العربي المنظم والمهني في المشهد الدولي.
