خرجت حكومة ​نواف سلام​ من جلسة المساءلة النيابية بثقة جديدة، لم يكن من المتوقع أن تفقدها بسبب الدعم الخارجي الذي لا تزال تحظى به، انطلاقًا من الدور الوظيفي المطلوب منها في المرحلة الراهنة. وهو دور كان سببًا، قبل أشهر، في دعم جهات إقليمية ودولية تمديد ولاية المجلس النيابي، قبل أن تفرض ظروف الحرب هذا الخيار، انطلاقًا من عدم الرغبة في المغامرة بعدم القدرة على تشكيل حكومة جديدة تتمتع بالمواصفات نفسها، في حال إجراء هذا الاستحقاق الدستوري.

عمليًا، أمّنت الثقة النيابية لحكومة سلام النجاة في الوقت الراهن، لكن ذلك لا يلغي علامات الاستفهام التي تُطرح حول قدرتها على الاستمرار، في ظل العجز الذي تبديه في معالجة مختلف الملفات، خصوصًا أن الضغوط عليها وعلى البلاد سترتفع في الفترة المقبلة.

التحديات السياسية

من أبرز المخاطر التي تحيط بالحكومة تبقى التحديات السياسية، المرتبطة بكيفية التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية والالتزامات المفروضة عليها بموجب اتفاق الإطار مع ​تل أبيب​، لا سيما أن هذا الأمر يجعل مختلف القوى المشاركة فيها تنتقد أداءها. فالقوى المعارضة لـ”​حزب الله​” ترى أن عليها المبادرة إلى تنفيذ القرارات التي كانت قد أصدرتها بشأن السلاح، في حين أن الحزب يعتبر أنها متواطئة مع إسرائيل في الأهداف.

بالتزامن مع ذلك، يأتي السلوك الإسرائيلي، الذي يراهن البعض على تبدّله بعد الانتهاء من انتخابات الكنيست بناءً على وعود من ​الولايات المتحدة​، والذي يقوم على التمادي في الاعتداءات على القرى والبلدات الجنوبية، خصوصًا أن تل أبيب باتت تربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب في كل ​لبنان​. في حين لا يبدو أن واشنطن، التي تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، في وارد الضغط عليها من أجل القيام بأي خطوة من الممكن أن تستفيد منها الحكومة.

هنا، لا يمكن تجاهل التحدي المرتبط بانتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان “​اليونيفيل​” أيضًا، رغم الطروحات المتعددة التي يتم البحث فيها في هذا المجال، نظرًا إلى أن تل أبيب، إلى جانب واشنطن، لن تكونا متساهلتين في التعامل مع هذه المسألة. مع العلم أن التوجه الواضح هو نحو ربط وجود أي بديل باتفاق الإطار أيضًا، الذي يواجه عقدة تتمثل في الجهة التي من المفترض أن تتولى التحقق من الإجراءات المعتمدة في المناطق التجريبية.

التحديات المعيشية

من حيث المبدأ، تدرك مختلف القوى السياسية أن أي حل شامل على الساحة المحلية لا يمكن أن يتحقق قبل وضوح الصورة على مستوى المنطقة برمتها، التي تعيش مرحلة إعادة بناء نظامها الإقليمي على وقع تطورات صعبة، من الممكن أن تقود إلى إعادة انفجار الحروب في أكثر من ساحة. إلا أن الأساس يبقى انتظار مسار العلاقات الأميركية–الإيرانية، الأكثر تأثيرًا في الملف اللبناني، بالرغم من غياب المؤشرات التي توحي بإمكانية حدوث انفراجات في وقت قريب.

هذه التعقيدات على المستوى الإقليمي تترك تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، ما بات ينعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي في لبنان، الذي يواجه عمليًا أزمة مستمرة منذ العام 2019. كان الرهان على قدرة الحكومة الحالية على الحد منها، لكنها بدلًا من ذلك دخلت في نفق النزاعات السياسية، التي رفعت من حدتها تداعيات الحرب.

ما تقدّم لا يعني محاكمة حكومة سلام بمعزل عن النتائج التي تفرزها الأوضاع على الساحتين الإقليمية والمحلية، بل السؤال عن الإجراءات التي تقوم بها من أجل الحد من التداعيات الكارثية، في ظل عدم قدرة المواطنين على التحمل، بينما هي لا تتعامل معها إلا من منطلق أنها حكومة جباية فقط. وهو ما قد يُترجم، في الفترة المقبلة، بتحركات شعبية اعتراضية على نطاق واسع، لا سيما إذا ما استمرت أسعار المحروقات في الارتفاع.

الخطر الأكبر

في الوقت الحالي، تستطيع الحكومة الركون إلى الشرعية الخارجية التي ضمنت لها الاستمرار، إلا أنه يجب التنبه إلى أن هذه الشرعية قد لا تكون كافية في حال تصاعد التحديات السياسية والمعيشية بشكل أكبر في المستقبل، لا سيما إذا لم تحصل انفراجة على المستوى الإقليمي يكون لها انعكاساتها المباشرة على الواقع المحلي.

هنا، من الضروري التنبه إلى أنه في مختلف التحديات، السياسية أو المعيشية، يبقى الخطر الأكبر أن يقود الانفجار في أي منها إلى صدامات داخلية، أظهرت مؤشراتها بشكل واضح المناقشات التي رافقت جلسة المساءلة النيابية.