ليست مجرد أغنية عاطفية عن حبيب عاد بعد غياب، وإنما حكاية صغيرة عن الانتظار حين يطول
أحمد السماحي
بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
ماذا يحدث لقلبٍ أنهكه الانتظار، حين يطرق الغائب بابه من جديد؟ وهل تكفي لحظة واحدة من اللقاء كي تمحو ليالي السهر والحنين والدموع؟!.. ربما هذا هو السؤال الذي تتركه في القلب أغنية (جيت والله جابك)، العمل الرومانسي القديم الذي أعاد مؤخرا تقديمه المطرب اللبناني (جاد نخلة) واختار من خلاله أن يفتح دفترًا قديمًا للحب، تتناثر بين صفحاته حكاية غياب طويل، واشتياق لم ينطفئ، وعتاب يذوب بمجرد أن يعود الحبيب!.
منذ الوهلة الأولى، تبدو أغنية (جيت والله جابك) التي أعاد طرحها مجددا المطرب اللبناني (جاد نخلة) قبل يومين، ليست مجرد أغنية عاطفية عن حبيب عاد بعد غياب، وإنما حكاية صغيرة عن الانتظار حين يطول، وعن قلب ظلّ متمسكًا بالحب رغم أن الصبر نفسه كاد ينفد!
الأغنية القديمة، التي أعاد طرحها مجددا (طوني بريدي) مدير أعمال (جاد نخلة) بعد أن طواها النسيان، كتب كلماتها الشاعر المتميز (أحمد ماضي)، ولحنها ووزعها (بلال الزين)، تنتمي إلى ذلك اللون الرومانسي الذي لا يحتاج إلى تعقيد كبير كي يصل إلى القلب.
فالكلمات تبدو وكأنها اعترافات حبيب يجلس أمام من يحب، ويستعيد معه تفاصيل الغياب والانتظار والليالي الطويلة، فمنذ الجملة الأولى، يأخذنا شاعر الأغنية (أحمد ماضي) إلى قلب الحكاية من دون مقدمات طويلة، حبيب غاب، لكنه لم يغب عن الذاكرة، وليالٍ مضت فيما القلب ما زال يحتفظ بتفاصيلها.
ثم تأتي المفاجأة التي انتظرها العاشق طويلًا: (قالولي رجعت وسألت عني) وكأن كلمة واحدة كانت كفيلة بإعادة النبض إلى قلبٍ أرهقه الانتظار، هنا تحديدًا تبدأ لعبة الأغنية الجميلة.
تأتي واحدة من أجمل النقلات الدرامية في الأغنية، عندما يصل خبر العودة بعد أن ملّ الصبر
واحدة من أجمل النقلات الدرامية
من أجمل ما في النص أنه يبدأ من العتاب الهادئ (صرلي زمان ما شفتك.. ما حكيتك وما تأملت فيك)، ثم سرعان ما يكشف أن الغياب لم يكن متبادلًا في أثره، فالحبيب ربما نسي، أما الراوي فلم ينسَ، ولم ينسَ حتى لياليه!.. وهنا تأتي واحدة من أجمل النقلات الدرامية في الأغنية، عندما يصل خبر العودة بعد أن ملّ الصبر: (قالولي رجعت وسألت عني) إنها جملة بسيطة، لكنها تحمل انفجارًا داخليًا هائلاً.
فمجرد أن يسأل الغائب عن الحاضر، تعود كل المشاعر التي حاول صاحبها دفنها تحت ركام الانتظار، ثم تأتي الجملة التي تختصر كل الحكاية: (جيت والله جابك ع ديار أحبابك).
فالعودة هنا ليست مجرد وصول شخص إلى مكان، وإنما عودة الروح إلى مكانها الطبيعي، ولهذا تبدو عبارة (رح موت بغيابك) امتدادًا طبيعيًا لهذا الحب الذي لم يتعلم كيف يعيش بعيدًا عن صاحبه، لكن الشاعر (أحمد ماضي) لا يترك العاشق غارقًا في فرح اللقاء، بل يمنحه مساحة من العتاب الجميل: (وتاني مرة ابقى.. لا تزيد بالفرقة أو تختفي فجأة).
وكأن الحبيب الذي انتظر كل هذا الوقت يقول لمن عاد، فرحتي بك كبيرة، لكن لا تجعلني أعيش الغياب نفسه مرة أخرى!
المزيد من المشاركات
وفي مقطع آخر، تتحول الأغنية إلى مشهد سينمائي شديد العذوبة، ليالٍ من السهر، ودموع، وخيال يستحضر الغائب حتى يكاد يصبح حاضرًا: (شوفك قبالي عم تناديني.. فجأة لاقي حالي عم حاكي خيالي)، وهنا تحديدًا تكمن إحدى نقاط جمال النص، إذ لا يتحدث عن الفراق بوصفه كلمة مجردة، وإنما يجسده في (السهر والدمعة والخيال)، فالحبيب الغائب لم يعد شخصًا بعيدًا فقط، بل أصبح حاضرًا في الذاكرة إلى درجة أن صاحبه يتحدث إليه رغم أنه ليس أمامه!
أما الخاتمة، فهي الأكثر دفئًا وتفاؤلًا، لأن العودة لا تستعيد الحبيب فقط، وإنما تستعيد معها الضحكة والمعنى والحياة، (رجعتلي ضحكاتي.. وهلق حياتي صار إلها معنى)، وهكذا تنجح الأغنية في بناء قوس عاطفي واضح، يتكون من مفردات الشوق واللهفة (غياب، انتظار، عتاب، خيال ودموع، عودة، حياة جديدة).
(جاد نخلة) مع مدير أعماله (طوني بريدي)
أقصى درجات التسليم العاطفي
واللافت أن النهاية لا تقول إن الماضي انتهى فحسب، وإنما تمنح القادم للحبيب: (عمري الماضي إلك.. ولي جايي ع حسابك)، إنها أقصى درجات التسليم العاطفي، فكل ما مضى صار ملكًا للحب، وكل ما سيأتي صار مرهونًا به.
تكشف أغنية (جيت والله جابك) عن براعة الملحن والموزع (بلال الزين) في اختيار المقام الموسيقي المناسب للحالة الشعورية التي أراد أن يصنعها، فاختار مقام (النهاوند على درجة صول النوى)، وهو اختيار منح اللحن مساحة واسعة من الدفء والرومانسية والعذوبة.
(النهاوند)، بما يحمله من شجن رقيق وإحساس حميم، بدا وكأنه اللغة المثالية للتعبير عن مشاعر الأغنية، فجاء اللحن منسابًا وناعمًا، بعيدًا عن الاستعراض، وقريبًا من القلب، وهو ما يؤكد أن (بلال الزين) لا يتعامل مع المقام باعتباره قالبًا موسيقيًا فحسب، وإنما كعنصر أساسي في تشكيل الحالة الدرامية للأغنية.
أما (جاد نخلة)، فقد امتلك أدواته الصوتية بإحساس بالغ، ونجح في الذوبان داخل اللحن والمقام، فبدت جمله الغنائية وكأنها امتداد طبيعي للنهاوند، يتنفس من دفئه ويستمد منه عذوبته، ليقدم أداءً رومانسيًا هادئًا يترك أثره دون حاجة إلى مبالغة أو استعراض.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة (جيت والله جابك)، في ذلك التناغم الجميل بين اختيار (بلال الزين) للمقام واللحن، وبين إحساس (جاد نخله) في الأداء، لتصبح الأغنية حالة موسيقية دافئة، تهمس أكثر مما تصرخ، وتصل إلى القلب قبل الأذن.
وتبدو (جيت والله جابك) محاولة لاستعادة ذلك النوع من الأغنيات الرومانسية التي تراهن على الإحساس قبل الاستعراض، وعلى الحكاية قبل الزخرفة.
أما اجتماع كلمات (أحمد ماضي) مع لحن وتوزيع (بلال الزين)، فمنح العمل ملامح أغنية تعرف جيدًا أين تضع وجعها، وأين تفتح نافذة صغيرة للفرح.
إنها ببساطة أغنية عن شخص لم يتوقف عن الانتظار، وحين عاد من انتظره، لم يعد إليه الحبيب وحده، بل عادت إليه ضحكاته، ومعها عاد معنى الحياة!.
في النهاية لابد أن نتوجه بالشكر لـ (طوني بريدي) مدير أعمال (جاد نخلة) الذي يعمل بقوة، هو وفريق العمل معه، لإعادة صوت (جاد نخله) الرومانسي الحالم الراقي بقوة إلى الأضواء، وذلك من خلال إلقاء الضوء على مشواره، وطرح بعض أغنياته القديمة مجددا بتوزيع جديد، وطرح صوره، حتى يتعرف عليه الأجيال الجديدة أكثر.
👀 Views: …
