Published On 24/9/202624/9/2026

|

آخر تحديث: 21:32 (توقيت مكة)آخر تحديث: 21:32 (توقيت مكة)

جنوب لبنان- في المعصرة، لا تنتهي حكاية الزيتون عند خروج الزيت بلونِه الذهبي إلى خزانات الستانلس ستيل. فمن الجهة الأخرى تخرج بقايا الثمرة في صورة مختلفة: لبّ وقشور ونوى تختلط بعد العصر لتشكّل ما يعرف محليا بجفت الزيتون.

لكن هذا المخلّف لا يذهب إلى النفايات؛ ففي ميمس بقضاء حاصبيا جنوبي لبنان، تبدأ له رحلة أخرى. يُنقل الجفت بعيدا عن التجمعات السكنية، ثم يُترك ليجف تحت الشمس، ثم يوضع في آلة تضغطه وتحوّله إلى قطع صلبة تُعبّأ وتُخزّن، في انتظار أن يأتي الشتاء فتأخذ مكانها بين الحطب والمازوت في المدافئ.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of list

داخل المعصرة، تبدأ القصة من جديد كلما وصل مزارع محملا بمحصوله، توضع الصناديق على الميزان، ثم ينتقل الزيتون إلى الحوض، ويمر عبر نظام لإزالة الأوراق قبل غسله ونقله إلى الكسارة.

تُكسر الثمار وتُعجن حتى تتحول إلى عجينة، ثم تدخل إلى جهاز “الديكانتر”، حيث تنفصل مكونات الزيتون عن بعضها: الزيت في مسار، والعكر والجفت في مسار آخر.

يُصفّى الزيت ويُنقل إلى خزاناته، ويُجمع الجفت ويُنقل إلى مكان آخر، وهناك تبدأ المرحلة التي تجعل منه منتجا قابلا للاستخدام في التدفئة.

مخلفات الزيتون تتحول بعد العصر إلى جفت يُستخدم وقودا للتدفئةمخلفات الزيتون تتحول بعد العصر إلى جفت يُستخدم وقودا للتدفئة (الجزيرة)رحلة تبدأ في المعصرة

“شجرة الزيتون كل شيء فيها مفيد”، بهذه العبارة يختصر محمود نوير، من بلدة ميمس، فلسفة عمله التي يقول إنه بدأها قبل نحو 20 عاما، وكان من أوائل من أدخلوا تجربة الاستفادة من جفت الزيتون إلى المنطقة.

بعد خروجه من المعصرة، لا يكون الجفت جاهزا للاحتراق مباشرة، بل يُنقل إلى مكان بعيد عن المناطق السكنية، ثم يبدأ العمل عليه في مايو/أيار، إذ يحتاج إلى فترة كافية حتى يفقد الرطوبة ويصبح صالحا للتصنيع.

والتجفيف هنا يعتمد على الطبيعة. وبعد أن يجف، يدخل الجفت إلى آلة تعمل بمحرك كهربائي تبلغ قوته 33 حصانا. تضغطه الآلة عبر حلزون داخلي، ثم يخرج في شكل أسطوانات تقطعها آلة أوتوماتيكية إلى قطع يبلغ طول الواحدة منها نحو 20 سنتيمترا.

تُجمع القطع بعد ذلك في أقفاص تحميها من التراب والرطوبة، وتُنقل إلى مكان التجفيف، ثم تُعبّأ في أكياس وصناديق كرتونية. ويحتوي كل كيس على 25 قطعة، بينما تحتوي الصناديق المخصصة للبيع على 12 قطعة، بحسب نوير.

ولا يترك صاحب المعصرة الجفت لمن يريده فقط، بل يقول إن المزارع الذي يعصر محصوله لديه يحصل على حصته منه؛ فالجفت، في نظره، جزء من محصول الزيتون نفسه.

ويُحتسب نصيب صاحب الزيتون، وفق تقديره، على أساس أن ما بين 25 و30% من كمية الزيتون يمكن أن يتحول إلى جفت، وهكذا لا يغادر الزيتون المعصرة في صورة واحدة.

نار من بقايا الزيتون

في الشتاء، تنتقل القطع الأسطوانية من الأكياس إلى المدفأة، يقول نوير إن القطعة الواحدة يمكن أن تستمر في الاحتراق نحو ساعة عندما تعمل منفردة، ويمكن للمدافئ المزودة بمدخنة أن تستوعب أربع أو خمس قطع وتجعلها تحترق مدة طويلة.

وهنا تكمن جاذبية الجفت بالنسبة إلى مستخدميه: وقود لا يحتاج إلى قطع الأشجار، ولا إلى التعامل مع براميل المازوت، وفي الوقت نفسه يأتي من محصول موجود أصلا في المنطقة.

ويوضح نوير أن الإقبال عليه ازداد مع ارتفاع كلفة التدفئة، ولا سيما بعد ارتفاع أسعار الحطب وتراجع قدرة الناس على تحمّل كلفة الوقود التقليدي.

كما أن الظروف الأمنية التي حدّت، وفق وصفه، من قدرة تجار الحطب على الوصول إلى الأحراج ونقل الأخشاب، دفعت مزيدا من الناس إلى البحث عن بدائل.

ولم يعد الجفت في ميمس منتجا محليا محدود الانتشار؛ إذ يشير نوير إلى أن زبائنه يأتون من مناطق بعيدة، مثل زحلة وبعلبك والمتن، للحصول عليه، وأن من يجربه يعود في الموسم التالي لشرائه مجددا.

تتحول مخلفات الزيتون إلى قطع مضغوطة يبلغ طول الواحدة منها نحو 20 سنتيمتراتتحول مخلفات الزيتون إلى قطع مضغوطة يبلغ طول الواحدة منها نحو 20 سنتيمترا (الجزيرة)حين تصبح الكلفة جزءا من القرار

في البيوت التي تعتمد على التدفئة بالوقود، لا تُقاس البدائل بقدرتها على إشعال النار فقط، بل بما تتركه في جيب الأسرة مع نهاية الشتاء.

يقدّر نوير، على سبيل المثال، أن من ينفق نحو ألف دولار على المازوت قد ينفق ما بين 500 و600 دولار على الحطب، بينما يمكن أن يخفّض الجفت جزءا كبيرا من كلفة التدفئة، وفق تجربته مع الزبائن.

لكن إنتاجه نفسه ليس بلا كلفة، سبعة عمال يعملون يوميا لنحو سبع ساعات، كما يحتاج تشغيل الآلات إلى مولد كهرباء، وتدخل كلفة المازوت المستخدم في تشغيله وأجور العمال ضمن كلفة التصنيع.

ومع ذلك، يؤكد نوير أن المعصرة تستمر في هذه العملية حتى عندما لا يكون الهدف تحقيق ربح من الجفت، لأن أصحاب الزيتون يريدون الحصول على حصتهم من مخلفات محصولهم.

هكذا يتحول ما كان عبئا على المعصرة إلى خدمة للمزارع، ووقود للمستهلك، ومورد إضافي لمنظومة زراعية كاملة.

شجرة لا تترك مخلفا

في منطقة يعتمد جانب من اقتصادها الزراعي على الزيتون، لا تبدو فكرة الاستفادة من كل أجزاء الشجرة جديدة، لكنها تكتسب معنى مختلفا عندما ترتبط بكلفة التدفئة وحماية الأحراج.

الزيت يذهب إلى خزاناته، والعكر له استخدامات زراعية محتملة، أما الجفت فيجد طريقه إلى المدفأة، وبذلك لا يعود المخلف نهاية لسلسلة الإنتاج، بل حلقة جديدة فيها.

ومع كل موسم عصر، تتكرر الدورة: مزارع يحمل الزيتون إلى المعصرة، آلات تفصل الزيت عن بقية مكونات الثمرة، جفت يُنقل إلى مكان التجفيف، ثم آلة تضغطه وتقطعه، وعمال يعبئونه، وأكياس تنتظر الشتاء.

من ثمرة تُقطف من شجرة الزيتون، إلى زيت على مائدة الأسرة، ثم إلى نار تدفئ بيتها.

في حاصبيا، لا ينتهي موسم الزيتون عندما يُستخرج الزيت؛ فبقاياه قد تكون، بالنسبة إلى كثير من العائلات، بداية موسم آخر.