حالة خاصة قد تكون فريدة من نوعها اسمها لبنان. يتعرّض الجنوب لإبادة عمرانية وقتل يومي ونحن هنا، بكل أشكالنا وطوائفنا وأنواعنا، نستمتع بالحياة أو نحاول، وكأن الحياة تستجيب لمن يسعى إلى اقتناص فرصها في بلدان الحروب التي لا تنتهي، قبل أن تسرق حرب جديدة قديمة الأيام القليلة الباقية من الهدنة مع العنف. يبدو البلد في حالة انفصام شبه طبيعية، وكأن تلك الحالة جزء من الهوية اللبنانية القائمة على فرادة الاستمرار، مهما كبر حجم المصيبة. في وقت كانت تصل إلينا صور الدمار الهائل لتلة علي الطاهر في الجنوب، ونسمع في الشريط المصور قهقهات الجنود الإسرائيليين، في مشهدية 1100 طن من المتفجرات بلغت قوتها هزة أرضية توازي 4 درجات على مقياس ريختر، رفعت محطة “أم تي في” اللبنانية المتحمسة للسلام، في أحد حواراتها، شعار العداء مع إسرائيل وتحته سؤال ما إذا كان جبل عامل من شأنه أن يعيد النظر في العلاقات مع إسرائيل لوقف الأذى اللاحق بالطائفة الشيعية. ثم جاءنا نتنياهو لينقل لنا مقطعاً من تحليل لأحد المحللين المنتشرين على الشاشات اللبنانية يفاخر بأن تفجير تلة علي الطاهر هي نهاية حزب الله، في أحد الشرائط الترويجية لعملية تفجير التلة. لم يكن المحلل على علم بأن نتنياهو سيختاره شخصياً مادة ترويجية لعملياته العسكرية، وقد لا يكون صاحب الشأن منزعجاً.
يثير المشهد السوريالي اللبناني الاستغراب، إن لم نقل الصدمة، بما في ذلك في أوساط الإسرائيليين أنفسهم. وحدنا نحن اللبنانيين نراها حالة طبيعية أو عادية. الضحية التي لا تريد أن تعترف بأنها الضحية. كل شيء على ما يرام بما في ذلك تصريحات رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، أن الوضع تحسّن الى حد كبير مع تسلمه السلطة. قبل التجريف الإسرائيلي للقرى اللبنانية وبعده، لا يزال وحش الفساد جاثماً على صدور اللبنانيين يتعايشون معه، وكأنه أيضاً أمر لا بد منه. أمام غلاء الأسعار الذي يبدو أنه لا يطاول شريحة خاصة من اللبنانيين تعجّ بها المطاعم والحانات، تبدو عملية الإمحاء التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في الجنوب غير مهمة أو أقله ليست أولوية.
قبل التجريف الإسرائيلي للقرى اللبنانية وبعده، لا يزال وحش الفساد جاثماً على صدور اللبنانيين يتعايشون معه، وكأنه أيضاً أمر لا بد منه
لم يبق من إنسانية القرى اللبنانية الجنوبية التي محاها الغزو الإسرائيلي سوى قصائد رثاء البيوت على لسان أصحابها الذين شهدوا على عمليات تفجيرها، عن بعد أو قرب، أو تبلغوا عنها، ولن يكون بإمكانهم حتى استرجاع بعض من ذكرياتهم من بين ركامها. قصص البيوت ينشرها أصحابها عبر الإعلام الجديد غالباً، وبعضها يتسرّب إلى الإعلام التقليدي المشغول بتحليلات النصر والهزيمة. الصور القديمة للبيوت التي كانت تضج بالحياة انتشرت في صفحات “فيسبوك” لتقارع صور تفجير البيوت والمدارس والمستشفيات التي باتت أشبه بالعرض اليومي على شاشات التلفزة. في الصور القديمة، لا تزال البيوت تنبض بالحياة وتقاليد الانشغالات اليومية، قبل أن تتحوّل إلى رماد. كيف عرفت العائلة بخبر التدمير؟ من عرف بالخبر أولاً بين أفراد العائلة؟ ما قصة البيت الذي لم يعد بيتا؟ كيف بني؟ من اختار الأثاث؟ والحديقة؟ ما حل بهما؟ هل سرق الغزاة الأثاث قبل تدميره؟ من مشاهد تفجير منزل حبيب صادق في جوار النبطية، والذي طالما شكل ملتقى ثقافياً لأبناء المنطقة، الى صور تدمير بيوت بلدة المنصوري وبعدها ألقت الطائرات المتفجرات على سطوحها، إلى صور مكتبات كان أصحابها يفخرون بها طارت مع البيوت، ذكريات لم يبق منها سوى ما حملته أجهزة الخليوي وما علق في الذاكرة.
تقليد فيسبوكي بات يدمي القلب لعجز ممارسيه وعجزنا جميعا، نحن المتفرجين، سوى عن تأمل الخسارة التي لا تعوض. قال لي أحد المراسلين اللبنانيين في الجنوب، في معرض لقاءاتي مع مراسلي الحرب في المنطقة، إنه شاهد عملية تدمير أحد المنازل مع صاحبها. روى لي أن صاحب البيت شاهد التدمير ووجهه أصفر من دون أن ينبس بكلمة. قال إن تلك من المشاهد الأكثر إيلاماً في تغطياته اليومية. ومثله روى آخرون كيف أن قصص البيوت وألم أصحابها باتت الجانب الإنساني الأهم لحرب يبدو أنها لن تنتهي.
في الوقت نفسه، يشغل الإعلام اللبناني في تحليل الربح والخسارة. محللون يزعقون على الشاشات ويرسمون معالم الشرق الأوسط الجديد بعبارات باردة، وكأن الحدث يدور في الصين. الانفصام تعزّزه تغطية إعلامية تتباين فيها هموم الإعلام اللبناني، بحسب هويته السياسية والتمويلية، مع الإعلام العربي الإقليمي الذي لا يزال يفرد مساحة غير قليلة للمشهد الجنوبي، بما يتناسب أيضا مع ميوله. في تقاليد الحزن، لا بد من قيام جنازة أو مناسبة ما ليصبح الفقد واقعاً معترفاً به يمكن تالياً تجاوزه. النكبة اللبنانية حدث خاص باعتبار أنه غير معترف به أزمةً وطنيةً جامعةً بين من يطلب اللهو ومن يناضل من أجل الاستمرار في واقع صعب، ومن لا يزال يعتقد بنصرٍ ما أو يتأمل حصوله يوماً. بين هذا وذاك، لا جنازة بعد للميت الذي لا يزال جثة في الهواء بانتظار الدفن، كما جثة شقيق “أنتيغون”، بطلة الملحمة الإغريقية التي منع عنها الدفن لعدم الاعتراف بإنسانيتها.
