الرباط ـ مع اقتراب عودة الفنان كاظم الساهر إلى المغرب لإحياء حفله المرتقب في الرباط، تستعيد الساحة الفنية واحدة من أبرز محطات مسيرته التي ارتبطت بالجمهور المغربي، وتحديدا تجربته الغنائية مع الفنانة أسماء المنور في أغنية ‘المحكمة’، التي رسخت حضورها ضمن أشهر الأعمال الثنائية في أرشيف الأغنية العربية.
وطرحت ‘المحكمة’ عام 2009، وقدمت نموذجا مختلفا للأغنية الثنائية، إذ اعتمدت على حوار درامي بين رجل وامرأة يرويان تفاصيل علاقة عاطفية مضطربة، ويتبادلان الاتهامات والعتاب، في بناء غنائي يتجاوز فكرة تبادل الأدوار الصوتية إلى تقديم قصة لها بداية وتصاعد ومواجهة.
وأسهمت كلمات الشاعر الراحل كريم العراقي في منح العمل خصوصيته، من خلال صياغة الحوار بلغة عاطفية مكثفة تجمع بين الانفعال والعتاب، بينما جاء اللحن والأداء ليعززا الطابع الدرامي الذي قامت عليه الأغنية.
ويُعد التعاون بين الساهر والعراقي من أبرز الشراكات الفنية في تجربة الفنان العراقي، إذ قدما معا عددا من الأعمال التي ارتبطت بأسلوب يجمع بين الشعر الغنائي والصورة الدرامية.
واكتسبت ‘المحكمة’ اكتسبت بعدا إضافيا عندما انتقلت من التسجيل إلى خشبة المسرح، إذ اجتمع كاظم الساهر وأسماء المنور لتقديمها ضمن فعاليات مهرجان موازين عام 2011.
ولم يقتصر الأداء على الغناء، بل اتخذ شكل مشهد مسرحي استثمر فكرة الأغنية الأساسية، فتحولت الخشبة إلى مساحة مواجهة بين طرفين يقدمان روايتهما عن علاقة عاطفية متوترة، فيما بدا الجمهور وكأنه طرف ثالث يتابع تفاصيل القضية ويحسم موقفه منها.
وجاء حضور الساهر وأسماء المنور في ذلك العرض متناغما مع طبيعة العمل؛ فقد حمل الساهر شخصية العاشق الذي يواجه الألم والشكوى، بينما قدمت المنور الطرف الآخر بصوت قوي وحضور مسرحي واضح، ما أضفى على الأغنية طاقة حية جعلتها أكثر قابلية للتفاعل مع الجمهور.
وبمرور السنوات، حافظت ‘المحكمة’ على حضورها في ذاكرة المستمعين، وظلت من الأعمال التي تستعيدها حفلات الساهر، إلى جانب تداولها المستمر باعتبارها تجربة جمعت صوتًا من المشرق بصوت مغربي، وقدمت الأغنية الثنائية في قالب درامي لافت.
وتتجدد هذه الذكريات مع الحفل المرتقب للساهر في المغرب، حيث يلتقي جمهوره يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول المقبل على الساحة الخارجية للمسرح الملكي في الرباط، بمشاركة الفرقة السمفونية الملكية، في أمسية تجمع بين الأغنية العربية والتوزيع الأوركسترالي.
ويحمل اختيار الرباط للحفل دلالة خاصة في مسيرة الساهر، نظرًا إلى العلاقة التي تربطه بالجمهور المغربي وارتباط عدد من أعماله وظهوره الفني بفعاليات أقيمت في المملكة.
ومن المنتظر أن يستعيد خلال الأمسية مجموعة من أبرز أغنياته التي رافقت مسيرته على مدى عقود، وسط توقعات بحضور أعمال ارتبطت بمحطات فنية بارزة في تجربته.
وبينما يستعد الساهر للوقوف مجددًا أمام الجمهور المغربي، تظل ‘المحكمة’ إحدى أبرز الذكريات الفنية التي تستحضرها هذه العودة، ليس فقط باعتبارها أغنية ناجحة، وإنما كنموذج لتجربة جمعت بين الشعر واللحن والأداء المسرحي، وقدمت حوارا عاطفيا بصوتين مختلفين، قبل أن تتحول إلى عمل حاضر في ذاكرة جمهور الأغنية العربية.
