اكتسبت الزيارة الثالثة للجنوب التي قام بها أمس رئيس الحكومة نواف سلام منذ تشكيله الحكومة، والجولة الواسعة التي تخللتها في النبطية، إلى المضامين البارزة للكلمة التي وجهها إلى أبناء النبطية والجنوب، دلالات بالغة الأهمية، خصوصاً أن سلام عكس إصراره اللافت على القيام بجولات متعاقبة في الجنوب وإقران مواقفه بالأفعال مهما بلغت تعقيدات الوضع في الجنوب من مستويات مرتفعة. مخاطباً أبناء النبطية والجنوب “بأنني لا أبيعكم الأوهام”، تميزت كلمة سلام خلال جولته بالذهاب عميقاً في رسم خياره السياسي: “لا انتظار لتسوية إقليمية قد تأتي أو لا تأتي، بل حشد الإمكانات للانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة بناء دولة واحدة، بجيش واحد وقرار واحد، ولا سيما قرار الحرب والسلم”. ونظراً إلى تزامن الجولة الثالثة الجنوبية لرئيس الحكومة غداة عودته من واشنطن ونيويورك، احتلت الزيارة أمس صدارة المشهد الداخلي بما عكسه عبرها الرئيس سلام من معطيات لديه للمضي قدماً بمعاندة قوية للمشككين والرافضين والمشاكسين عليه، في إثبات التصاق حكومته بمأساة الجنوبيين والعمل بلا تراجع للتخفيف منها، فيما يستمر الخيار التفاوضي للدولة في رحلته. وهو الأمر الذي تُرجم بالإعلان عن مجموعة تلزيمات للمنطقة.

 

رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس بلدية النبطية الحاج عباس فخر الدين (حسام شبارو)

رئيس الحكومة نواف سلام مع رئيس بلدية النبطية الحاج عباس فخر الدين (حسام شبارو)

 

يشار إلى أنه في إطار التحركات البارزة حول الوضع في الجنوب والمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، أفيد بأن رئيس الوفد اللبناني المفاوض السفير السابق سيمون كرم التقى أمس في الفاتيكان أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، وأن كرم سيزور بعد الفاتيكان باريس حيث سيعقد لقاءات حول الوضع في لبنان، وخصوصاً في مرحلة ما بعد انتهاء ولاية القوة الدولية “اليونيفيل” في الجنوب.

 

لافتة ترحب بزيارة رئيس الحكومة نواف سلام لمدينة النبطية (حسام شبارو)

لافتة ترحب بزيارة رئيس الحكومة نواف سلام لمدينة النبطية (حسام شبارو)

 

إذاً وبعبارة “نحنا معك” وما ترمز إليه، وجّه أهالي النبطية رسالة دعم إلى رئيس الحكومة الذي حطّ على أرض النبطية، في سلسلة محطات بدأها من مجمع قوى الأمن الداخلي في كفرجوز – النبطية، يرافقه وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار وعدد من القادة الأمنيين، ثم انتقل إلى مركز الأمن العام في النبطية حيث أكد أن “عودة المركز إلى العمل تشكّل رسالة واضحة بأن هذه أرض لبنانية، ونحن متمسكون بها وثابتون فيها”، مشدداً على أن” مؤسسات الدولة ستبقى حاضرة فيها مهما كانت الصعوبات”. أما المحطة الثالثة فكانت وضع الحجر الأساس لمبنى الدفاع المدني، ومن هناك أكد أنه لا يمكننا أن نضع الحجر الأساس لمبنى الدفاع المدني في النبطية من دون أن نستذكر شهداء الدفاع المدني، موجهاً التحية لكل العناصر الذين ضحّوا ويضحّون خدمة للناس، آملاً في العودة قريباً لافتتاح المركز الجديد. رابع المحطات كانت في إعادة افتتاح سرايا النبطية الحكومية والإعلان عن تسمية السرايا باسم “سرايا شهداء أمن الدولة”. ومن بلدية النبطية أعلن سلام أن “الضمانة الحقيقية أمامنا هي أن نمضي، في آن واحد، في حشد ما استطعنا من إمكانات ودعم لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل ولإعادة بناء الدولة. دولة قادرة وفاعلة، دولة واحدة لكل أبنائها، جيشها واحد، وقرارها واحد، لا سيّما قرار الحرب والسلم. فهذه هي الطريق كي لا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام حرب جديدة، أو ذرائع جديدة للاعتداء على لبنان، أو توسّع جديد للاحتلال. أما أن نقول إن بإمكاننا انتظار تسوية إقليمية كبرى، فهذا بالنسبة لي ليس خياراً للبنان. لأن هذه التسوية قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت، فقد تكون على حسابنا. ماذا لو اندلعت حرب جديدة في المنطقة؟ هل نقبل بأن يدفع لبنان والجنوب ثمنها مرة أخرى؟ وهل نبقى منتظرين، ويبقى أهلنا نازحين، وتبقى أرضنا محتلة، ويبقى أسرانا في الأسر، ويبقى الإعمار مؤجلاً، ونبقى معلّقين على ما يقرره لنا الآخرون؟ بالتأكيد لا يمكن لعاقل أن يقبل بذلك”.

 

رئيس الحكومة نواف سلام في زيارة لإمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق (رئاسة مجلس الوزراء)

رئيس الحكومة نواف سلام في زيارة لإمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق (رئاسة مجلس الوزراء)

 

وزار سلام بعد الظهر الرئيس جوزف عون في قصر بعبدا وأطلعه على نتائج زيارته لنيويورك وواشنطن، والمحادثات الإيجابية التي أجراها مع عدد من المسؤولين الأميركيين والدوليين، والتي تناولت الأوضاع في لبنان والمنطقة.

 

سلام واضعاً الحجر الأساس لمركز الدفاع المدني في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

سلام واضعاً الحجر الأساس لمركز الدفاع المدني في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

 

كذلك أطلع الرئيس سلام رئيس الجمهورية على أجواء جولته في منطقة النبطية، واللقاءات التي عقدها مع المسؤولين والمواطنين، والتي تناولت حاجات أبناء المنطقة.
وبحثا في الخطوات الواجب اتخاذها لمعالجة الشؤون المعيشية والحياتية، والإجراءات التي أقرّها مجلس الوزراء في جلسته أمس.

 

رئيس الحكومة نواف سلام مع وفد حكومي في زيارة لإمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق (رئاسة مجلس الوزراء)

رئيس الحكومة نواف سلام مع وفد حكومي في زيارة لإمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق (رئاسة مجلس الوزراء)

 

وكان رئيس الجمهورية قد أعلن خلال استقباله وفداً من بلدية دير ميماس “أن تمسّك الجنوبيين بأرضهم هو أبلغ رد على كل محاولات التهجير والتخويف والاعتداءات التي ترتكبها إسرائيل”، مشدداً على “أن الدولة ستبقى إلى جانب أبناء الجنوب الصامدين منهم والنازحين قسراً من قراهم وبلداتهم، حتى زوال الاحتلال الإسرائيلي أو الحصار عن كل قرية جنوبية.”، وقال: “إن أبناء الجنوب، لا سيما الصامدين منهم في قراهم، هم حراس الأرض، والدولة هي سندكم وسوف تحميكم ولن تتخلى عن أي شبر من أرضكم”.

 

من السراي الحكومي في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

من السراي الحكومي في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

 

في غضون ذلك، برزت دلالات لافتة عبر ما كتبه الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عبر “أكس”: “يبدو أننا دخلنا في حلقة التفاوض من أجل التفاوض، وفي كل جلسة سيتلقى الوفد اللبناني مطالب جديدة، لذا أنصح بأن نستفيد من مسار أوسلو وأن نعمّق التنسيق مع مقاطعة رام الله”.

 

في مقر الأمن العام في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

في مقر الأمن العام في مدينة النبطية (رئاسة مجلس الوزراء)

 

وتفسيراً لهذا الموقف أوضح جنبلاط في تغريدة لاحقة أن “مسار أوسلو، هو التفاوض من أجل التفاوض وصولاً إلى تثبيت الحقوق في الأرض. إلا أنّ الديبلوماسيين لاحظوا أنه كلما جرت جولة من المفاوضات، ذهب بعض من الأرض وتغيّرت ملامحها”، معتبراً أنه “وجب على كبار المستشارين والقانونيين التوقف عند هذه الجدلية العجيبة، حفاظاً على أوسلو وتفرعاته في فلسطين ولبنان”.