عبرت أغنية “عدى النهار” عن تحوّل في الأغنية الوطنية المصرية، بيروت 1959 (فرانس برس)
في السادس من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، تستعيد مصر أصواتاً موسيقية التصقت بتلك اللحظة، حتى بدا أحياناً أن الحرب كانت تُروى من خلال الأغنية. فمن “خلِّ السلاح صاحي” و”أحلف بسماها وترابها” إلى “عاش اللي قال” و”صباح الخير يا سينا”، ومن “أم البطل” و”ابنك يقولك يا بطل” إلى “بسم الله الله أكبر” و”الله أكبر فوق كيد المعتدي”، تتشكل ذاكرة صوتية كاملة لحربي الاستنزاف وأكتوبر.
إلى جوار هذا الصوت المرتبط بالمعركة والنصر، جاءت “يا حبيبتي يا مصر” لشادية لتشق طريقاً أكثر حميمية للغناء الوطني، يقوم على الحب والعاطفة، وليس على الحرب وحدها. هكذا، تتسع صورة الوطن داخل الأغنية المصرية، من الأرض التي تُسترد والجندي الذي يقاتل، إلى المكان الذي نحبه ونشتاق إليه ونجد أنفسنا في تفاصيله.
ففي حقبة تكثفت فيها الأغنية الوطنية ودورها، وهي حقبة الستينيات، اعتمدت الأغنية الوطنية على الجوقة والأوركسترا الكبيرة، وعلى لغة الاحتفاء بالنصر والتضحية والواجب. ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 فغيّرت النبرة، لتتسلل إليها مشاعر الحزن والانتظار والخذلان. بعد أكتوبر، اتسعت مساحة العاطفة والهوية، قبل أن تدخل الأغنية مع الألفية الجديدة إلى بيئة إعلامية وسوقية مختلفة، فرضت عليها شكلاً مغايراً.
في الستينيات، عبّرت الأغنية الوطنية عن مشروع سياسي واجتماعي ارتبط بالدولة الناصرية، فبدا العمل الغنائي في كثير من نماذجه امتداداً للمشهد العام الذي كانت الدولة فيه تسعى إلى ترسيخه عن العمل الجماعي، والإنجاز والاستقلال والقدرة على بناء المستقبل. لذلك، اتخذت الأغنية مظهراً احتفالياً ضخماً ينسجم مع حجم خطاب تدشنه، ليضم الكورال والأوركسترا الكبيرة والتصاعد اللحني الذي يمنح الكلمات إحساساً بالمهابة والاحتشاد.
تتبدى هذه الصورة في نموذج مثل أوبريت “الوطن الأكبر”، الذي كتب كلماته أحمد شفيق كامل ولحنه محمد عبد الوهاب عام 1960. كذلك في أغاني عبد الحليم حافظ بتلك الفترة، مثل “حكاية شعب” و”أحلف بسماها”. ثم جاءت الهزيمة، فتغير صوت الأغنية الوطنية. انكسرت لهجة اليقين التي صاحبت الستينيات. وعولجت الأغنية باعتبارها جرحاً نفسياً جماعياً، وتطلب هذا أن يخفت صوت الحشد، ويحل محله نبرة أكثر حزناً وتأملاً.
وفي مقدمة الأعمال التي عبّرت عن هذا التحول “عدى النهار” لعبد الحليم حافظ، من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، إذ نسمع صوتاً مثقلاً بالأسى وزمناً يمر بطيئاً تحت وطأة الهزيمة. اكتسبت صورة الوطن في الأغنية إثر 1967 بعداً جديداً؛ عبر عن جرح مشترك، وذاكرة للألم، وانتظار لاستعادة ما فُقد، ليمثل هذا نقلة مهمة في تاريخ الأغنية الوطنية، فبدلاً من أن تتحدث للمواطن وتملي عليه ما يجب أن يشعر به، بدأت تتحدث بصوته.
بعد حرب أكتوبر، عادت الأغنية الوطنية إلى إحدى وظائفها القديمة، الاحتفال والانتصار، وإن تغير ملمح من ملامحها، ففي “عاش اللي قال” و”على الربابة بغني” و”صباح الخير يا سينا” عادت مفردات العبور والنصر والجندي… إلى مقدمة المشهد، لكن الأغنية لم تعد تماماً إلى نقطة ما قبل 1967؛ فأصبحت العلاقة بالوطن أكثر عاطفية، وأمسى الجندي، في كثير من الأغاني، شخصية يمكن أن تُروى قصته وأن تُستعاد ذكرياته، لا مجرد رمز داخل خطاب تعبوي.
تبرز أغنية “يا حبيبتي يا مصر” لشادية باعتبارها مثالاً بالغ الدلالة في هذا الخصوص. فالوطن بها تمثل علاقةَ حبٍّ، لتتحول اللغة الوطنية من مستوى الواجب العام إلى عتبة العاطفة الشخصية، وتمسي هذه النقلة لاحقاً من أهم مفاتيح الأغنية الوطنية بعد ذلك.
وإذا كانت الستينيات قد أنتجت الأغنية الوطنية الكبرى، وكانت سنوات الهزيمة والانتصار قد ربطتها بالحدث العسكري، فإن الثمانينيات والتسعينيات شهدتا شيئاً مختلفاً، حين توزع الحس الوطني داخل أشكال مغايرة من الغناء، وأصبح الحديث عن مصر أقل احتفالاً بالمؤسسة وأكثر احتفاءً بالهوية.
وإلى هذا المزاج تنتمي “حدوتة مصرية” والتي قدمت الوطن باعتباره حكاية اجتماعية وإنسانية تُروى عبر الإنسان وتناقضاته وذاكرته وعلاقته بالمجتمع. هكذا اتسعت مساحة الوطنية في الأغنية لتشمل ما هو يومي وشخصي، بعد أن كانت ترتبط بصورة أكثر مباشرة بالدولة أو المعركة أو المناسبة القومية.
مع ذلك فقد ظل عمل مثل “يا حبيبتي يا مصر” حاضراً بقوة، وهو حضور يكشف أن الأغنية العاطفية كانت أكثر قدرة على البقاء من كثير من الأغاني المرتبطة بمناسبة سياسية محددة، فصارت مشاعر الحنين إلى مصر، والحديث عن مدنها وشوارعها وناسها، والاحتفاء بالشخصية المصرية نفسها، طرقاً أخرى للغناء للوطن.
مع بداية الألفية، وانتشار الفضائيات، لم تعد الإذاعة الرسمية وحدها قادرة على تحديد ما يسمعه الناس، وبدأ شكل الأغنية الوطنية نفسه يتأثر بمنطق السوق، متضمناً زمنا أقصر وجملة أسرع ولازمة أوضح، وصورة بصرية توازي الموسيقى في الأهمية.
في هذه المرحلة، ظهر جيل من الأغاني اقترب أكثر من مصر كما يعيشها الناس في تفاصيلها اليومية؛ في المكان والذاكرة واللغة وملامح الشخصية المصرية، مثل “مشربتش من نيلها” لشيرين و”فيها حاجة حلوة” لريهام عبد الحكيم و”المصري” للطيفة. ثم جاءت ثورة 25 يناير، فدخلت الأغنية الوطنية مرحلة استثنائية انكسرت فيها، ولو مؤقتاً، القوالب التي استقرت عليها الأغنية، فلم يعد الوطن مجرد موضوع للغناء، كما كان في أغاني الحنين والهوية التي سبقت على الثورة؛ أصبحت مصر هي نفسها سؤالاً مطروحاً داخل الأغنية، أي بلد نريد؟ وماذا حدث للمكان الذي نحبه؟
يظهر هذا التحول بوضوح في “إزاي” لمحمد منير، فالأغنية تنطلق من الدهشة والوجع والقلق ومحاولة فهم ما جرى، في حين اقتربت أعمال أخرى من لغة الشباب والشارع وقتها، متمثلة في مفردات مثل: الحرية والكرامة والعدالة والميدان، كما برزت في صيغ موسيقية انحازت بصورة واضحة إلى الغناء المستقل.
يتجلى هذا في نماذج مثل “صوت الحرية” لكايروكي وهاني عادل، و”يا الميدان” لكايروكي مع عايدة الأيوبي التي تقدمت إلى مساحة جمعت بين التعبير السياسي وطاقة جماعية ميّزت لحظة الثورة، لتقترب الأغنية من الهتاف في بنائها ووظيفتها، لذلك أمكن لها أن تتقدم من الميدان إلى مواقع التواصل، وأن تتداولها المجموعات الشبابية بوصفها جزءاً من تجربتهم اليومية في تلك الأيام.
ومع التحولات التي أعقبت 25 يناير، بدأت الأغنية الوطنية تستعيد تدريجياً خطاباً أكثر ميلاً إلى اليقين والاحتشاد، من دون أن تتخلى عن الأدوات الجماهيرية التي كانت قد ترسخت خلال العقد السابق. في هذا السياق، جاءت “بشرة خير” لحسين الجسمي عام 2014 واحدة من أوضح علامات التحول، إذ ابتعدت عن سؤال الثورة وصراعها على معنى الوطن، وقدمت بدلاً منه صورة لمصر بوصفها مساحة للبهجة والمشاركة والأمل، معتمدة في موسيقاها على إيقاع شعبي راقص ولازمة جذابة.
لم يقتصر التحول الذي أصاب الأغنية الوطنية على كلماتها وألحانها وشكلها الموسيقي، بل طاول أيضاً الجهة التي تنتجها؛ فبعد عقود كان فيها إنتاج هذا النوع من الغناء يرتبط أساساً بالمؤسسات الإعلامية الرسمية والمناسبات القومية، اتسعت منذ أواخر التسعينيات ثم الألفية الجديدة مساحة شركات الإنتاج والفضائيات والسوق الخاصة، لتصبح الأغنية أكثر ارتباطاً بمنطق الصناعة التجارية ووسائطها الجديدة.
في السنوات الأخيرة، انتقل هذا التحول خطوة أبعد مع دخول الإعلان التجاري بقوة إلى إنتاج الأغنية ذات الحمولة الوطنية، فالمؤسسات والعلامات التجارية لم تعد تكتفي باستعمال أغان أنتجها النجوم ضمن ألبوماتهم، وإنما أصبحت تربط الرسالة الإعلانية بصورة معينة لمصر وشعبها.
من أبرز النماذج على هذا المسار “ابن مصر” لمحمود العسيلي، التي جاءت ضمن حملة لبنك مصر، إلا أنها لم تكتف بالترويج للمؤسسة؛ بل بنت صورة للمصري الذي يعمل وينجح ويتحمل المشاق ويواصل الطريق، جامعة بذلك بين الخطاب الوطني والرسالة التجارية، وهو نفسه ما ميز عمل مثل “يا مصر بتعمليها إزاي” لبهاء سلطان والعسيلي.
هذا يقود إلى تغير آخر في علاقة الأغنية الوطنية بجمهورها، فقد أصبح الجمهور أكثر ارتباطاً بدورة انتشار الأغنية، عبر اقتطاعه مقطعا منها، وترديده واستخدامه في فيديوهاته بوسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة نشره حتى ينفصل أحياناً عن سياقه الأصلي.
هنا تبرز أهمية اللازمة القصيرة الجذابة، ففي “بشرة خير” و”ابن مصر” مثلاً، يكاد نجاح الأغنية يقوم على مقاطع حفظها الجمهور ورددها بسهولة. تكشف هذه التحولات كيف تغيرت الطريقة التي عبرت بها الأغنية المصرية عن الانتماء إلى الوطن، ففي السادس من أكتوبر كان المطلوب تثبيت معنى النصر. وفي السنوات التي تلت صار المراد هو الحفاظ على صلة عاطفية بمكان تتغير صورته.
أما في لحظة الثورة؛ فأمست المسألة تتعلق بمن يملك حق صياغتها والتعبير عنها. واليوم تدخل إلى هذه العلاقة عناصر أخرى، متضمنة الأمل والقدرة على الاستمرار وصورة المصري الذي يعمل ويكافح وينجح رغم الصعوبات. وربما لهذا تحديداً تبقى أغاني أكتوبر مختلفة عن كل ما جاء بعدها، لأنها ولدت من حدث تاريخي حاسم، وكانت تعبر عن لحظة كان فيها معنى الوطن أقل التباساً. أما الأغنية الوطنية اللاحقة، فكان عليها أن تجد هذا المعنى في مجتمع أعقد، وفي حياة يومية أثقل، ومن خلال جمهور لم يعد يستمع بالطريقة نفسها.
