
من يصل إلى الصفحات الأخيرة من رواية عبده وازن «الحياة ليست رواية» منشورات المتوسط 2025، يجد أن الكاتب أراد لروايته أن تدخل في تصنيف أنها رواية داخل رواية، وهو لم يترك الكثير من المجال للمتلقي لكي يفاجأ أو يفكّر بذلك، بل جعل رنا الروائية وبطله «القارئ» يصرّحان بذلك، وجعلها تقترح عليه، أنها ستأخذ المخطوط عندما يصبح جاهزا لصديقها الشاعر «عبده وازن» ليقرأه.. وقد بدأت من نهاية الرواية، التي رافقتني أسبوعا مأخوذا بقدرات وازن على السرد والإسهاب والتداعي الحر لأفكاره، أو أفكار «القارئ»، لا فرق، لأقول إن نصّا «ثقيلا» كهذا لم يكن يحتاج إلى تلك النهاية، التي أخرجته من فرادة وجِدَّة وجهد كبير مبذول من قبل الكاتب، لتدخله في تصنيف يشابه الكثير من النصوص التي «لا تشبهه».
هي قصة جوسلين وجوزف، يسردها «القارئ»، بطل الرواية الذي لا نعرف اسمه، وهنا تأكيد على الصفة التي اتصف بها هذا البطل، الذي يتمنّى أن يكونه كثيرون منا، وأنا منهم، لو أتيحت لنا الظروف والفرص، فنصبح قرّاء نعيش بين الكتب ولها ومعها… تبدأ القصة بحضور جوسلين الفرنسية نصف اللبنانية، تسأل عن منزل جدتها في البناية التي يسكنها بطلنا، محبّ الكتب والقراءة، فتنشأ بينهما الصداقة، ثم حال الحبّ من طرف واحد، ولأن جوزف الصديق هو الموجود الأساسي الوحيد في حياته، مع الكتب، كان لا بدّ من أن تشمله القصة، فيكون هو الحبيب الذي يعيش مع جوسلين ما تمناه البطل لنفسه.
حياة بطلنا تتمحور حول «الرواية» والرواة والمؤلفين والشخصيات، المتخيَّل منها والواقعي والحقيقي، وجوسلين التي درست الأدب، تجد في صديقها ملجأ ورفيقا ومؤنسا، وجوزف المحامي المثقف، كان قادا على مجاراتهما، وهنا تكمن قدرة لدى وازن، في خلق ثلاثية من شخصيات تشبه بعضها، وتختلف اختلافات تظهر مع الاستمرار في البَوح والقصّ، إلى أن يموت جوزف وترحل جوسلين وتظهر رنا، وعندما أصرّح بهذه التفاصيل لا أحرق أحداثا، فنحن نعرفها منذ بداية الرواية، ولكن سحرا ما، في أسلوب وازن يمسك بيد القارئ ليعود به ومعه إلى البدايات، فيستمر هذا القارئ بالتنقل بين الأزمنة، في مكان يكاد يسيطر، بيروت!
الرواية تسترجع أيام الحرب الأهلية، فوالد «القارئ» يموت مصادفة فيها وهو البعيد عن الأحزاب والقتال، ووالد جوسلين يموت على حاجز من تلك التي كان يموت الناس فيها على الهوية، أي حسب الطائفة المكتوبة وحظ صاحبها مع الحاجز، أما الحال الأقسى، فهي ما نعرفه عن حياة جوزف المتبنّى، الذي يلاحق في ما بعد أمه، يصل، ولكنه يقرر ألا يعرفها.
القصص الثلاثة متشابهة، وقد طرحتها الرواية اللبنانية كثيرا، وعبده وازن لم يكن ليترك الفرصة تفوته وهو يكتب ما يشبه سيرته، الأدبية والنقدية و»القرائية» منها خصوصا، فلا يدلي بدلوه تجاه ما عاناه اللبناني في تلك المرحلة من تاريخ البلاد، وما زال مستمرّا، والرواية تنتهي في مرحلة بدء غلاء الدولار والاغتيالات، ومن يتابع تاريخ لبنان، يعرف أن وازن تقصّد أن لا يذكر السنة ويحددها، فغلاء الدولار في التسعينيات، مع انتهاء الحرب الأهلية والاغتيالات التي حصلت، مشابه للاغتيالات في ا2005 وما رافقها، وغلاء الدولار والأزمة الاقتصادية بعد 2019، ليقول ما نعرفه، وقد يُعتبر «كليشيه» في الأدب، أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن لأن الحياة ليست رواية كما تدعي الرواية نفسها، وبطلها يعيش في الرواية ويكتب روايته الخاصة، بعيدا عن تلك الأحداث كما يدعي، نراه يعود ويتحدث في السياسة عندما ظهرت الشخصية «الواقعية» في حياته غير الواقعية، فيكون مضطرا، على الرغم من أن كل أسباب قصته وقصص جوسلين وجوزف أساسها الحروب المتتالية والمتتابعة في لبنان.
يبقى الثابت الوحيد أن «الحياة ليست رواية» بالفعل، على الرغم من كل أحلام الكثيرين بأن يكتبوا روايتهم فتكون هي حياتهم بالفعل، في هذا الزمن الصعب، في بلاد «الحياة» فيها هي الأصعب على الإطلاق!
«القارئ» صفة أعطته إياها جوسلين، فتبناها من حبيبته التي عاش معها عذابات «استعذبها» واستعذبتها، وقد صرحت في رسالتها في ما بعد بأنها كانت تعرف… وقد حصلت نقاشات وإضافات كثيرة منه أثناء السرد حول تفاصيل شخصيات وروايات وكتّاب وأنواع روايات ومواقع مكتبات… حتى تكاد الرواية تكون متخمة، إلى حدّ النفور في أحيان كثيرة، وأنت تتابع قصص الشخصيات وأفكارهم، هي في أوقات تشبه حوارات فيلمي «بيفور سانرايز» و»أفتر سانشاين» وغيرها من النصوص التي كانت الحوارات الفكرية مسيطرة، ولكن في روايتنا الروايات كانت هي البطلة، وللنفور من تلك التخمة بالمعلومات أسباب عديدة، أولها أن المتلقي قد يشعر بأن الكاتب يتباها بمعلوماته حول الكتب والكتّاب، ثانيها وهو أساسي أنها تبطئ السرد والبَوح اللذيذ الذي تفردت به الرواية، والثالث وهو ما يكتشفه المتلقي بعدما يعتاد الفكرة، أن النصوص المذكورة معظمها، وليس جميعها طبعا، لكتب وكتّاب عالميين في معظمهم، وهم الأشهر في عالم الرواية، وشخصياتهم الأشهر وأعمالهم الأشهر، فحتى لو تقصّد الكاتب أن يوثق لأعمال روائية عظيمة، فهو لم يأتِ بجديد عندما يحدثنا عن حشرة كافكا وطواحين دونكيشوت وانتحار همنغواي!
عبده وازن كان وكأنه يريد أن يكتب دراسة أو مقالة طويلة حول تجربته القرائية والنقدية، وكانت لديه فكرة الرواية وشخصياتها وفكرة مهنة القارئ التي أسندها لبطلها، فدمج المشروعين في نصّ واحد، ساحر في أجزاء كثيرة، ومرهق ومثقل بالمعلومات والتحليل في أجزاء أخرى، ولكن يبقى الثابت الوحيد أن «الحياة ليست رواية» بالفعل، على الرغم من كل أحلام الكثيرين بأن يكتبوا روايتهم فتكون هي حياتهم بالفعل، في هذا الزمن الصعب، في بلاد «الحياة» فيها هي الأصعب على الإطلاق!
أما ما بدأت به المقال حول نهاية النص، فأعود إليه لأقول، إن ما قدمه الكاتب في نصه يعد جديدا وتجديدا في النص الروائي العربي، على الرغم من «فرانكوفونية» بطله، وكانت له مسوغاته، وعلى الرغم من حضور الكاتب العربي في النهاية، من دون كتبه كما حصل مع الغربي، وحضور شعر قيس ورأي البطلين بالترجمة، فلعلها بالفعل آراء ومواقف لمثقف وخبير مثل عبده وازن، صرّح بها من خلال شخصيات «أوهمنا» أنها ليست هوَ! ولم يرد أن يصرح بها في مقالات ودراسات جامدة!
كاتب لبناني
