وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن من المخجل أن تنظر محكمة عسكرية في شكوى ضد السفيرة لمجرد تنفيذها سياسة حكومتها الشرعية. فهل باتت السفيرة ندى حميدي معوض هدفا في معركة الحزب ضد الدولة ومسار التفاوض؟

يرى الكاتب والباحث السياسي إبراهيم ريحان، في حديثه إلى برنامج “رادار” على “سكاي نيوز عربية”، أن قبول الإخبار وإحالته إلى المحكمة العسكرية لا يعني الادعاء على السفيرة ولا استجوابها ولا ملاحقتها قانونيا.

فالمحكمة تنظر أولا في استيفاء الإخبار المقتضيات القانونية، وقد تحفظ الملف لعدم كفاية الأدلة أو لعدم الاختصاص، إذ ليست مختصة بملاحقة الدبلوماسيين. ويضيف أن السفيرة تنفذ سياسة الدولة بمهمة رسمية كلفها بها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وأن الإجراء الراهن روتيني تقوم به النيابة العامة.

سياسيا، يلفت ريحان إلى أن المحامي حسن بزي معروف بتقديم الإخبارات ضد كل من يعارض حزب الله أو يسير في خلاف هواه، وأنه بنى شكواه على شائعة مفادها أن السفيرة تواصلت مع السفير الإسرائيلي في واشنطن بعد تعرض نجله لحادث في الضفة الغربية، في محاولة للضغط عليها. غير أن اللجوء إلى القضاء للضغط لم يعد مجديا، فعقلية الحزب، بحسب ريحان، لا تزال عالقة عند النظام الأمني السوري-اللبناني الذي حكم لبنان.

من يحترم القضاء فعلا؟
ويقول ريحان إن الحزب، إن أراد الامتثال للقانون، فعليه الامتثال لقرار مجلس الوزراء وتسليم سلاحه، وإن السفيرة ندى حميدي معوض لم تخالف القوانين بجلوسها إلى طاولة التفاوض بتكليف رسمي. أما المحامي، وهو يدرك أن السلاح خارج إطار الدولة غير قانوني، فالأجدر به تقديم الإخبار ضد من استورد المتفجرات وهربها عبر الحدود.

ويتساءل عن احترام الحزب للقضاء: فقبل أسابيع اعتقل القيادي ياسر علاء الدين الذي ثبت تورطه في تهريب متفجرات إلى فلول نظام الأسد في عكار وتدريبهم على تنفيذ عمليات ضد الدولة السورية، فليسلمه الحزب إلى الدولة. كما أدانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أربعة من عناصره باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فليسلم سليم عياش ورفاقه ليحاكموا أو ينفذوا العقوبة.

ويضيف أن الدستور يسمو على القانون، وينص على صلاحية رئيس الجمهورية بالتفاوض وتحديده من دون أي قيد، وقد منح السفيرة ندى حميدي معوض الحصانة حين تفاوض. كما أن القضاء العسكري غير مختص بمساءلة الدبلوماسيين، إذ تجري ملاحقتهم عبر وزارة الخارجية والإجراءات الإدارية، ما يجعل الملاحقة باطلة قانونا وشكلا.
وإن حاول الحزب إزعاج مسار التفاوض فلن يؤثر فيه، لكنه يسجل نقاطا أمام بيئته الحاضنة، ويمنح واشنطن حججا إضافية للضغط من أجل تعديل قوانين تجريم التواصل مع إسرائيل أو إلغائها.

سلاح بلا غطاء وحرب بلا جدوى
وعن شحنات التهريب، يشير ريحان إلى أن عمليات عدة، ستا أو سبعا، أوقفها الجيش على الحدود اللبنانية-السورية ولم يعلن عنها، وأن المتفجرات من نوع «تي إن تي» مع كرات حديدية ومسامير قد تستعمل لقتال إسرائيل، لكنها قد تستعمل أيضا في اغتيال وترهيب داخل لبنان. ويتساءل: لماذا طالب الحزب بإعادة تسليمها؟ ويذكر بقرار الحكومة في الثاني من آذار الذي اعتبر عمله العسكري خارجا عن القانون بموافقة وزيري حركة أمل، فلماذا يبقى في حكومة تجرم فعله ويمارس عكسه على الأرض؟.

ويرى أن الحزب لم يطلق طلقة على إسرائيل منذ أشهر، وأن مسيراته لا تغير مجرى المعركة، فما يقوم به عبث سياسي يمنح حكومة نتنياهو ذرائع لتوسيع الاحتلال والتهجير والتدمير، مستحضرا تصريح يسرائيل كاتس عن عمل عسكري في جنوب لبنان.

وبخلاف البيانات الوزارية السابقة التي غطت السلاح، ينفذ القضاء والأمن والجيش اليوم ما تأمر به السلطة السياسية. ويؤكد أن الجيش يغلق الحدود ويصادر السلاح بعيدا عن الإعلام مراعاة للداخل، وأن انطلاقات جنوب الليطاني في الجولة الأخيرة لم تتجاوز سبعة إلى ثمانية بالمئة.

الدور الإيراني في القرار
ويوافق ريحان على أن لا واشنطن ولا إسرائيل ولا إيران ينبغي أن تتدخل في لبنان، مؤكدا أن الحزب فتح الجبهة مطلع آذار بتوقيت إيراني وبطلب منها، كما بين بيانه الذي تحدث عن «ثأر لدماء» خامنئي. ويذكر دمار أكثر من ثمان وأربعين بلدة تدميرا كاملا وتهجير مئات الآلاف، واصفا قول محمد رعد إنه «خطأ تكتيكي» بأنه يعكس ربط مصير لبنان بمزاج المرشد الإيراني، ومميزا بين من يدعو إلى الاستقرار والتنمية ومن يزج بلبنان في مشاريع التقسيم والقتل.

3 مسارات
من جهته، يرى الباحث في العلاقات الدولية علي شكر أن المشهد يحمل ثلاثة مسارات: سياسي لا ينفصل فيه القانون عن السياسة؛ وقضائي يعد فيه الركون إلى القضاء اللبناني إيجابيا يسجل للحزب ويدحض الحديث عن “دولة داخل الدولة”؛ ودبلوماسي، إذ لا يرتبط الإخبار بالمفاوضات، لكن قانوني المقاطعة والعقوبات يحظران التواصل المباشر مع العدو، وكان بإمكان السفيرة التحصن بكتاب خطي وفق التكليف. ويرى أن مصير الإخبار رهن ثبوت واقعة التواصل بعد التحقيق، وأن المفاوضات لن تتعرض بذلك لضغط قضائي.

ويعتبر شكر أن نتائج المحكمة الخاصة بلبنان لم تكن واضحة المعالم ولم تستند إلى معطيات دقيقة، ما يستدعي مقاربة قضائية خاصة. أما تصريح النائب إبراهيم موسوي، فيرى أنه يندرج إن ثبت في إطار عمل المقاومة الدفاعي، فيحق للحكومة اتخاذ الإجراءات القانونية لكن لا يمكن منع المقاومة في ظل الاحتلال، وهو حق ثابت في القانون الدولي، ومن ينقل السلاح يحاكم دون أن يسقط الحق بالمقاومة.

ويرى أن التدخل الأميركي في القضاء انتهاك للسيادة، وأن واشنطن تضبط إيقاع إسرائيل بحسابات إقليمية، وأن الخارجية شبه غائبة والحكومة خجولة، فيما كان الرئيس أكثر فاعلية. ويخلص إلى أن الداخل اللبناني لم يقم بما عليه رسميا ولا على مستوى المقاومة.