
تحولت السينما الخليجية اليوم إلى لاعب رئيسي في ساحة الفن السابع. وهناك نهضة حقيقية يقودها طموح لا يحده سقف، ودعم لوجستي ومادي غير مسبوق. فهي تمر الآن بمرحلة الانفجار الإبداعي. لم يعد الصانع الخليجي ينتظر المهرجانات الدولية فقط لينال الرضا النقدي، بل أصبح يستهدف الجمهور المحلي والعالمي تجارياً.
على سبيل المثال، باتت المملكة العربية السعودية المحرك الرئيسي، منذ افتتاح دور عرض السينما في المملكة عام 2018. وتحولت المملكة إلى أسرع الأسواق نمواً في العالم. أفلام مثل «سطار» و»الهامور ح.ع»، أثبتت أن الجمهور المحلي متعطش لقصصه الخاصة، وبقدرة إنتاجية تنافس الأفلام الهوليوودية في شباك التذاكر المحلي.
أما الإمارات العربية المتحدة، فقد رسخت مكانتها كمركز إقليمي للخدمات الإنتاجية، واستقطبت استوديوهات عالمية لتصوير أفلام ضخمة مثل «كثيب dune» و»مهمة مستحيلة Mission Impossible»، ما أسهم في نقل الخبرة التقنية للكوادر المحلية. وبينما تركز الكويت على النفس الكوميدي والاجتماعي القريب من المسرح، تبرز قطر عبر مؤسسة الدوحة للأفلام كداعم أساسي للسينما المستقلة وسينما المؤلف على مستوى العالم العربي. كما تضم قطر شبكة واسعة من دور العرض الحديثة، مثل فوكس سينما – مقعد الدوحة فيستيفال سيتي، ونوفو سينما، وسينما كتارا. ويُعد فيلم «سعّود وينه؟» أول فيلم روائي طويل من إنتاج استوديوهات كتارا، تم إنجازه بالكامل في قطر بطاقم عمل محلي ومن إخراج محمد الإبراهيم. يمزج الفيلم بين الغموض والدراما، وتم عرضه مؤخراً في نوفو سينما – واحة الدوحة.
دور المهرجانات

كما أن المهرجانات السينمائية الخليجية بدوراتها المتتابعة أسهمت في تقديم عدد من رواد السينما الخليجية لرؤاهم وخبراتهم حول مُختلف آفاق الإنتاج السينمائي في دول مجلس التعاون الخليجي. حيث تتم إقامة عدد من عروض الأفلام والندوات الحوارية والورش التدريبية المختلفة والمتكاملة، التي تمكن زوار المهرجان من استكشاف أبعاد جديدة لصناعة السينما عبر النظر لها من منظور صنّاعها ونقّادها. آخر دورات المهرجان السينمائي الخليجي في العاصمة السعودية الرياض، دورة عام 2024، والعاصمة العمانية مسقط دورة عام 2025. فضلاً عن مهرجان الخليج السينمائي المقامة دوراته في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي منذ عام 2008، يخصِّص المهرجان مسابقتين ضمن خطته لتشجيع الإبداع والتميز بين السينمائيين والمبدعين من المنطقة، منها مسابقة الأفلام، وهي مفتوحة لكل المحترفين في فئات الأفلام الطويلة، الأفلام القصيرة، والأفلام التسجيلية. ومسابقة السيناريو المخصصة للأفلام الإماراتية القصيرة فقط. وبعرضه أفضل الأفلام العربية من منطقة الخليج، سيصبح مهرجان الخليج السينمائي الوجهة المثلى الأهم أمام المجتمع السينمائي الدولي لاكتشاف روائع فنون السينما في المنطقة.
أهم المحطات

قبل التحليق في الآفاق المستقبلية للسينما الخليجية، نمضي في رحلة سينمائية عبر الزمن، للوقوف في أهم المحطات السينمائية الخليجية التي شكلت وجدان الفن السابع في المنطقة على مدار نصف قرن، مع ذكر مكان وزمان الإنتاج، إذ كانت السينما تحاول اكتشاف هويتها وسط بيئة صحراوية وبحرية قاسية قبل الانفتاح الكبير؛ مثل «بس يا بحر» الكويت 1972 للمخرج خالد الصديق، وهو ليس فقط أهم فيلم كويتي، بل هو حجر الزاوية للسينما الخليجية قاطبة، وهو فيلم بالأسود والأبيض صوّر قسوة حياة الغوص من أجل صيد اللؤلؤ بصدق فني مذهل نال جوائز عالمية. وفيلم «عرس الزين» الكويت 1976 أيضاً لخالد الصديق، وهو مُقتبس عن رواية الكاتب السوداني الراحل الطيب صالح، ويمثل قمة التعاون الأدبي – السينمائي العربي المبكر. ومن ثم فيلم «الصمت» الكويت 1980 للمخرج هاشم محمد، وهو استمرار لتوثيق حياة ما قبل النفط ومعاناة الإنسان مع البحر.
وتشمل رحلتنا الوقوف في محطات الفيلم الأول والبحث عن المسار من التسعينيات لغاية 2010. وشهدت ولادة السينما في دول خليجية أخرى بجهود فردية جبارة، مثل فيلم «الحاجز» (البحرين 1990) للمخرج بسام الذوادي، وهو أول فيلم روائي طويل في تاريخ البحرين، ناقش الحواجز الاجتماعية والنفسية بجرأة. ومن ثم فيلم «ظلال الصمت» (السعودية 2006) للمخرج عبد الله المحيسن، وهو فيلم طليعي ناقش قضايا فكرية وسياسية كبرى في قالب رمزي، وكان صرخة سعودية مبكرة في المحافل الدولية. ومن ثم فيلم «حكاية بحرينية» (البحرين 2006) وهو من روائع بسام الذوادي أيضاً، وهو فيلم ملحمي يؤرخ للتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة عبر قصة عائلة. فيلم «البوم» (عُمان 2005) للمخرج خالد الزدجالي، وهو أول فيلم روائي عُماني طويل، وبوابة السينما العُمانية للعالم، وهو مستوحى من مسرحية صمويل بيكيت «في انتظار غودو»، عن التحديات التي تواجه مجتمع صيد الأسماك الصغير. وهناك فيلم عماني آخر «أصيل» إنتاج عام 2012، وتدور أحداثه الرئيسة في قرية صحراوية، يعيش أهلها على تربية الجمال ويواجهون قسوة وتحديات الصحراء، إلى جانب التغيرات الديموغرافية والتنموية التي تحدث من حين لآخر. ومن ثم فيلم «دار الحي» (الإمارات 2009) للمخرج علي مصطفى، وهو فيلم مفصلي أظهر دبي كمدينةٍ عالمية متعددة الثقافات، وجمع بين لغاتٍ وجنسياتٍ مختلفة في قالب تقني مبهر.
المرحلة الثالثة تمثل الانفجار الإبداعي والوصول الى العالمية للفترة (2012 ـ 2026) ممثلة بأفلام؛ «وجدة» (السعودية2012) للمخرجة هيفاء المنصور. وهو أول فيلم يصل لترشيحات الأوسكار، وصوّر ببراعة أحلام الطفولة في مجتمع محافظ ، ومن ثم فيلم «ذيب» (إنتاج مشترك 2014) ورغم أنه أردني الهوية، إلا أن الدعم الخليجي (أبوظبي) كان حاسماً في وصوله للعالمية وترشحه للأوسكار. ومن ثم فيلم «زنزانة» (الإمارات 2015) للمخرج ماجد الأنصاري. وهو نقلة نوعية في «سينما النوع «(Thriller)، وبجودة تقنية تضاهي هوليوود. ومن ثم فيلم «بركة يقابل بركة» (السعودية 2016) للمخرج محمود صباغ، وهو كوميديا سوداء ذكية جداً استطاعت الوصول لجمهور عالمي واسع عبر «نتفليكس». ومن ثم فيلم «خورفكان» (الإمارات 2020) وهو فيلم تاريخي ضخم يجسد المقاومة الشعبية، ويمثل ذروة الإنتاج الملحمي بميزانيات كبرى. ومن ثم فيلم «سطار» (السعودية 2022) كسر كل الأرقام القياسية في شباك التذاكر، وأثبت أن الفيلم التجاري المحلي قادر على سحق الأفلام العالمية في عقر دارها. ومن ثم فيلم «هجان «(السعودية 2024)، الذي لفت الأنظار مؤخراً بتقديمه رؤية سينمائية مغايرة.
مستقبل ذهبي
إذن، يبدو المستقبل ذهبياً، فالمنصات الرقمية (نتفليكس، شاهد) فتحت الباب للمسلسل والفيلم الخليجي ليُعرضا في 190 دولة، ما يكسر حاجز اللهجة، فضلاَ عن أن الخليج العربي غني بالحكايات التي لم تُروَ بعد، وهي تمتد من عبق الصحراء إلى صخب المدن الذكية، وهذا المخزون القصصي هو الكنز المقبل. رسم الآفاق المستقبلية للسينما الخليجية، يتمثل منذ الآن بالدعم المادي السخي في مجالات (التقنيات، الاستوديوهات، التسويق). كما ينصب على صناعة البنية التحتية: مثل مشاريع «تطوير» في السعودية و»Twofour54» في أبوظبي، التي توفر أحدث تقنيات التصوير والمونتاج عالمياً، فضلاً عن صناديق الدعم: (مثل صندوق البحر الأحمر، أو إيمج نيشن) التي تمنح المبدع حرية التفرغ للعمل الفني من دون القلق من تكاليف الإنتاج الضخمة. وهناك أيضاً استقطاب الخبرات، فالمال الخليجي سمح بجلب كبار التقنيين من هوليوود لتدريب الكوادر المحلية، ما رفع جودة الصورة لتصبح منافسة عالمياً.
أخيراً أقول إن القائمين على السينما الخليجية عازمون على الابتعاد عن الصور النمطية وتقديم الجديد الماثل في الحكايات التي تركز على قصص اجتماعية، نفسية، أو حتى فانتازيا ورعب نابعة من الموروث الشعبي المحلي. وهناك الصراع بين الأصالة والمعاصرة، كما أن التناقض بين الماضي التقليدي والمستقبل الرقمي هو منجم ذهب لقصص درامية وسينمائية لا تجدها في أي مكان آخر في العالم.

كاتب عراقي
