بعد خمسة أعوام من ظهور دانيال كريغ الأخير في دور العميل السري الأشهر بالسينما، يقترب البحث عن جيمس بوند الجديد من مرحلة مفصلية، وسط تقارير عن تقلّص قائمة المرشحين وتصاعد المنافسة بين نجوم صاعدين وممثلين أقل شهرة، لكن خلف الأسماء المتداولة، تدور معركة أكبر من مجرد اختيار وجه جديد: كيف يمكن إعادة إطلاق واحدة من أعرق السلاسل السينمائية من دون التفريط في هويتها أو الوقوع في فخ تكرار نجاحاتها السابقة؟
منذ أن ظهر شون كونري للمرة الأولى في شخصية «العميل البريطاني 007» في فيلم «دكتور نو» (Dr. No) عام 1962، لم يعد جيمس بوند مجرد جاسوس خيالي، بل تحوّل إلى علامة سينمائية عالمية، تختصر مزيجاً خاصاً من الغموض والأناقة والمغامرة والتكنولوجيا. وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، تعاقب على الشخصية ستة ممثلين في الأفلام السينمائية الرسمية، تاركين لكل مرحلة ملامحها الخاصة، من جاذبية كونري الكلاسيكية إلى خفة روجر مور، وصولاً إلى الصورة الأكثر واقعية التي رسّخها كريغ.
والآن، تتجه الأنظار إلى الفيلم الـ26 في السلسلة، المعروف مؤقتاً باسم «بوند 26» (Bond 26)، في وقت لم تعلن شركة «أمازون إم جي إم» رسمياً اسم الممثل الذي سيحمل الرقم 007 في المرحلة المقبلة.
مرشح خارج دائرة الأضواء
وفق تقارير إعلامية نُشرت أخيراً، تقلّصت قائمة المرشحين المحتملين إلى مجموعة تضم جاك بارتون، وجاك لودن، وكالم تيرنر، وجاكوب إلوردي، وبول ميسكال، وهاريس ديكنسون، مع حديث عن اختبارات أداء بدأت مطلع سبتمبر الجاري. غير أن هذه الأسماء لم تؤكدها الشركة المنتجة رسمياً، لذلك تبقى القائمة المتداولة جزءاً من التكهنات المحيطة باختيار بوند الجديد، وليست إعلاناً نهائياً عن المرشحين المعتمدين.
ويبرز اسم جاك بارتون بوصفه المفاجأة الأوضح في هذه المنافسة، فالممثل البريطاني أقل شهرة على المستوى العالمي من عدد من الأسماء الأخرى، وسبق أن ظهر في أعمال تلفزيونية وسينمائية، بينها مسلسل «هارتستوبر» و«إس إيه إس: روغ هيروز»، إضافة إلى دور صغير في فيلم «أشياء مسكينة».
وتشير تقارير إلى أن بارتون برز ضمن الأسماء المتقدمة في السباق، في تحول يعيد طرح سؤال جوهري: هل تبحث السلسلة عن نجم عالمي جاهز، أم عن وجه جديد يمكن أن تتحول شهرته إلى ظاهرة مرتبطة بشخصية بوند نفسها؟
في المقابل، يمتلك المرشحون الآخرون رصيداً متفاوتاً من الشهرة والحضور، فقد عزّز كالم تيرنر مكانته عبر أعمال من بينها «ماسترز أوف ذا إير»، بينما ارتبط اسم جاك لودن بمسلسل التجسس البريطاني «سلو هورسز»، أما جاكوب إلوردي، فوسع حضوره السينمائي بأدوار لافتة، في حين رسخ بول ميسكال مكانته بعد نجاحه في أعمال درامية وسينمائية، بينها «غلادياتور 2»، ويأتي هاريس ديكنسون ضمن الأسماء التي تتكرر في التكهنات الإعلامية بشأن هوية العميل المقبل، إلا أن هذه الترشيحات لا تمنح صاحبها أفضلية مؤكدة، إذ لا تتوقف عملية الاختيار على الشهرة أو المظهر، بل تشمل القدرة على تجسيد شخصية تجمع بين الصرامة والذكاء والغموض، وتحمل عبء سلسلة يُتوقع أن تمتد لسنوات.
إعادة بناء العالم السينمائي
لا يقتصر التحول المرتقب على الممثل الجديد، فالفيلم المقبل يدخل مرحلة إبداعية مختلفة بقيادة المخرج الكندي دينيس فيلنوف، المعروف بأعمال مثل «بليد رانر 2049»، و«دون»، حيث أظهر فيهما قدرة على بناء عوالم سينمائية واسعة، تجمع بين التفاصيل البصرية والموضوعات الإنسانية والأسئلة المتعلقة بالسلطة والهوية والمستقبل.
ويُمثّل اختياره إشارة إلى أن المشروع قد يتجه نحو معالجة بصرية أكثر طموحاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن عناصر بوند التقليدية، وعند إعلان توليه المهمة في يونيو 2025، عبّر فيلنوف عن ارتباطه الشخصي بالسلسلة، مؤكداً أهمية احترام إرثها مع فتح المجال أمام مغامرات جديدة.
ويتولى كتابة السيناريو ستيفن نايت، مبتكر مسلسل «بيكي بلايندرز»، فيما يتولى الإنتاج إيمي باسكال وديفيد هيمان، وتشارك تانيا لابوانت بصفتها منتجة تنفيذية، وتؤكد هذه التشكيلة أن العمل يجري ضمن مشروع لإعادة تقديم الشخصية، لا مجرد استبدال ممثل بآخر.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية، لأن «أمازون إم جي إم» أصبحت صاحبة السيطرة الإبداعية على مستقبل السلسلة، بعد الاتفاق الذي أُعلن في فبراير 2025، وهو تحول يفتح فصلاً جديداً في إدارة واحدة من أهم العلامات التجارية في تاريخ السينما.
وجه مجهول
تقدم ديبي ماكويليامز، التي أشرفت على اختيار الممثلين لسلسلة بوند لعقود، زاوية مختلفة للنقاش، فقد دافعت عن فكرة اختيار ممثل لا يعرفه الجمهور جيداً، معتبرة أن الغموض عنصر أساسي في الشخصية، وأن معرفة الجمهور المسبقة بتفاصيل حياة النجم قد تتعارض مع صورة الجاسوس الذي يصعب كشف جوانبه الشخصية.
وفي تصريحات نشرتها صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أشارت إلى أن بوند يحتاج إلى ممثل يحتفظ بقدر من الغموض، ويقنع المشاهد بأنه قادر على أداء مهمة عميل مرخص له بالقتل.
وتكتسب هذه الرؤية دلالتها من تجربة دانيال كريغ نفسه، فعندما اختير للدور عام 2005، لم يكن الخيار الذي حظي بإجماع الجمهور، لكنه أعاد بناء الشخصية منذ «كازينو رويال» عام 2006، مقدماً عميلاً أكثر هشاشة وعنفاً وواقعية.
عميل في عالم مختلف
تتمثّل المهمة الأصعب أمام بوند الجديد في تقديم شخصية مألوفة لجمهور عالمي، لكنها تتحرك في عالم تغيّرت فيه أدوات التجسس وموازين القوة، فالأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية والهجمات السيبرانية باتت عناصر أساسية في الصراعات الحديثة، ما يفرض على الفيلم أن يواكب العصر من دون أن يفقد روحه الكلاسيكية.
ولاتزال البدلة الأنيقة والسيارات الاستثنائية والسفر بين العواصم والأدوات التقنية والخصوم أصحاب الخطط المعقدة جزءاً من هوية السلسلة، لكن نجاح المرحلة المقبلة قد يعتمد أيضاً على تطوير الجانب الإنساني للشخصية، وهو ما منح أفلام كريغ ثقلاً درامياً إضافياً.
وفي النهاية، لا يتعلق سباق اختيار جيمس بوند بوجه سيظهر على الملصقات أو اسم سيتصدر عناوين الأخبار، بل بممثل سيواجه مقارنة حتمية مع شون كونري وروجر مور وبيرس بروسنان ودانيال كريغ وغيرهم ممن تركوا بصمتهم في الشخصية.
فالمهمة الحقيقية ليست العثور على ممثل يستطيع ارتداء البدلة الرسمية وحمل السلاح، بل على ممثل يجعل الجمهور ينسى، ولو للحظة، كل من سبقه في حمل الرقم «007».
![]()
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
Share
فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App
