الخميس 22 أكتوبر 2026 2:29 مساءً –
بتوقيت القدس

سينما الحرب في مهرجان الجونة: توثيق لآثار العدوان على الإنسان والذاكرة

لم تكن شاشات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي مجرد منصات لعرض الأفلام، بل تحولت إلى مساحة لاستحضار مآسي الحروب في لحظة سياسية وإنسانية بالغة القسوة. وقد تنوعت طرق السرد بين الأفلام الوثائقية التي منحت مساحة للشهادات المباشرة، والأفلام الروائية التي استعانت بالرموز لتقديم صورة درامية عن المجتمعات التي تعيش تحت الحصار والتهديد العسكري المستمر.

تجاوزت الأعمال المعروضة لغة الأرقام المتعلقة بأعداد الشهداء والجرحى، لتركز على الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها الاعتداءات في نفوس الناجين. وبرزت فلسطين ولبنان في مقدمة هذه المساحة السينمائية، حيث حاولت الأفلام فتح منافذ للتأمل في معنى الحياة بعد النجاة من الموت، وقدرة الإنسان على استعادة أمانه المفقود وسط دوامة العنف.

في الفيلم الوثائقي اللبناني «حلم صيف آخر»، قدمت المخرجة إيرين بارتولومي رؤية لمدينة بيروت بعد فاجعة انفجار المرفأ عام 2020. الفيلم يستعرض كيف تحول الناجون إلى ضحايا للترويع النفسي المستمر، حيث تلاشت ملامح المدينة الساحرة التي كانت تسكن ذاكرة المخرجة قبل وقوع الكارثة.

اعتمد الفيلم اللبناني على إبراز آثار العنف كمتحدث رسمي عن حجم الضرر، دون الحاجة لعرض مشاهد قصف مباشرة. ومن خلال محادثات هاتفية مع شخصية وهمية، كشف العمل عن الشرخ العميق الذي أحدثه الانفجار في إحساس السكان بالاستقرار، متسائلاً عن كيفية التعافي وسط أنقاض تذكرهم بكل ما فقدوه.

أما فيلم «طبيب أميركي» للمخرجة بوه سي تينغ، فقد سلط الضوء على حرب الإبادة في غزة من زاوية مختلفة تماماً. يتتبع الفيلم ثلاثة أطباء أميركيين من خلفيات متنوعة، جمعتهم مهمة إنقاذ الأرواح في القطاع المحاصر، ليواجهوا بعد عودتهم مسؤولية نقل الحقيقة الصادمة للرأي العام العالمي.

برز في الفيلم الطبيب الفلسطيني-الأميركي ثائر أحمد، والجرّاح مارك بيرلموتر، وفيروز سِدوا، الذين عملوا في ظروف طبية مستحيلة ونقص حاد في الموارد. الفيلم لم يركز فقط على غرف العمليات، بل رصد معركتهم الأخلاقية في مواجهة وسائل الإعلام والدوائر السياسية لإبقاء معاناة غزة حاضرة في النقاش العام.

طرح «طبيب أميركي» تساؤلات وجودية حول ما يحدث للشاهد بعد عودته لحياته المعتادة وهو يحمل أهوال ما رآه. وخلص العمل إلى أن الصمت ليس خياراً أمام المعرفة النابعة من تجربة مباشرة، بل يصبح الموقف الأخلاقي هو المحرك الأساسي لنقل شهاداتهم عن آلام الجرحى والشهداء في القطاع.

من فيلم ماريينكا.jpg

من فيلم ماريينكا.jpg

طبيب أمريكي 2.jpg

طبيب أمريكي 2.jpg

وفي مسابقة الأفلام القصيرة، قدم المخرج عمر رمّال فيلمه الأردني «كنتاكي غزة» ليعبر عن المأساة من منظور الحصار الخانق. يتناول الفيلم قصة شاب يحاول تهريب وجبات طعام سريعة إلى غزة، لتتحول رغبة بسيطة في الحصول على وجبة إلى مغامرة معقدة تعكس عمق الحرمان الذي يفرضه الاحتلال.

أظهر الفيلم كيف يحول الحصار البديهيات اليومية إلى معارك مستقلة، مما يؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية والطموحات الشخصية. الطعام هنا لم يكن مجرد وسيلة درامية، بل رمزاً للتناقض الفج بين حياة طبيعية يمارسها العالم، وحياة أخرى يقاتل فيها الفلسطينيون للحصول على أبسط حقوقهم.

من جانبه، تناول الفيلم اللبناني القصير «يوما ما ولد» للمخرجة ماري روز، معاناة الأطفال تحت وطأة التهديد العسكري. يحكي الفيلم قصة صبي يبلغ من العمر 11 عاماً، اعتاد على ضجيج الطائرات الحربية حتى أصبحت جزءاً من تفاصيل يومه، مما يبرز انعدام الأمان حتى لمن يمتلكون قدرات استثنائية.

يركز العمل على فكرة النضج الباكر الذي تفرضه الحرب على الطفولة، حيث يتحول مراقبة السماء وانتظار الغارات إلى وعي قسري يدمر مفهوم الأمان. الفيلم يضع المشاهد أمام حقيقة مؤلمة وهي أن الحرب تتسلل إلى وعي الطفل وتؤثر في علاقته بالعالم المحيط به إلى الأبد.

ولم يغب الصراع في أوكرانيا عن المهرجان، حيث عرض فيلم «ماريينكا» للمخرج بيتر يان دي بو، الذي تناول تجربة شباب يعيشون على خطوط المواجهة. ركز الفيلم على تفكك الروابط الأسرية والانقسامات التي تخلفها الحروب داخل البيت الواحد، بعيداً عن مشاهد القصف المباشر.

أبرز «ماريينكا» كيف يتحول المكان الذي يجمع الأسرة إلى ساحة مواجهة، مما يجعل العلاقات الإنسانية هشة ومعرضة للانهيار تحت ضغط الواقع السياسي. الفيلم يعبر عن الحرب كجربة ممتدة تعيد تشكيل مفهوم الانتماء لدى الأجيال الجديدة التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين ذكرياتها وواقعها المرير.

اجتمعت هذه الأعمال السينمائية على تقديم مقاربة إنسانية تتجاوز التوثيق التقليدي للخراب المادي، لتركز على الخراب الداخلي الذي يلحق بالإنسان. لقد كانت الأفلام صرخة بوجه العنف، ومحاولة للحفاظ على ما تبقى من الذاكرة والهوية في مواجهة آلات القتل والدمار التي لا تتوقف.

لقطة من فيلم كنتاكي غزة.jpg

لقطة من فيلم كنتاكي غزة.jpg

من فيلم حلم صيف آخر.jpeg

من فيلم حلم صيف آخر.jpeg