رنا فرح

 

 

 

 

في جولته على طرابلس، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون: “زيارتي لأقول لأبناء طرابلس إنّ الدولة موجودة وإلى جانبكم دائماً، ولاستعادة الثقة، يجب تأمين الخدمات للمواطن، فكرامة الإنسان تقتضي أن تقدّم له الدولة الخدمات، وأن تكون متاحة للجميع. هكذا نعيد الثقة”.
تختصر هذه العبارة إشكالية أساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع: كيف تُستعاد الثقة حين يشعر المواطن بأنّ المؤسسات لا تستجيب لحاجاته؟ وماذا يحدث حين يتحوّل الحرمان من الخدمات، أو الشعور بالتهميش، أو فقدان الثقة بالسلطة، من تجربة فردية إلى مطلب جماعي يتجاوز حدود الشكوى؟
لا تتعلّق المسألة بالخدمات العامة وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويل مطالبه إلى قوة سياسية منظّمة. فالسخط، مهما اتّسع، لا يتحوّل بالضرورة إلى فعل جماعي. قد يشترك الناس في المعاناة نفسها، من دون أن يتّفقوا على تفسير أسبابها، أو تحديد الجهات المسؤولة عنها، أو الوسائل الكفيلة بتغيير الواقع. وبين الشعور بالظلم والقدرة على تغييره، مسافة لا تردمها المعاناة وحدها.
من هنا، لا يقتصر السؤال على ما يدفع الناس إلى الاحتجاج، بل يشمل أيضاً ما يجعلهم يدركون أنّ مشكلاتهم الفردية ترتبط بمشكلة عامة، وأنّ مصالحهم قد تلتقي عند مطالب مشتركة.
تطرح الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا أسئلة مشابهة. فحين تتقاطع المطالب المتعلّقة بالتعليم والخدمات العامة وكلفة المعيشة، يصبح من الضروري فهم الظروف التي تسمح بتحوّل التذمّر الاجتماعي إلى حركة احتجاجية، وكذلك القوى السياسية التي تسعى إلى تمثيله والتأثير في مساره.
لكنّ الاحتجاج لا يحمل نتيجة سياسية محدّدة سلفاً. فقد تتّسع الحركة الاحتجاجية من دون أن تنجح في إنتاج قيادة أو برنامج مشترك، وقد تتنافس الأحزاب على تمثيل مطالبها، فيما تستجيب السلطة لبعضها وتتعامَل مع بعضها الآخر بوصفه مسألة أمنية تستدعي استعادة النظام العام.
من هنا، يبرز السؤال الأساسي: ما الذي يحوّل المظالم المتفرّقة إلى فعل جماعي؟ وما الدور الذي تؤدّيه الأحزاب السياسية في هذه العملية؟

الأحزاب السياسية: من تمثيل المصالح إلى تعبئة الجماهير
لا تقتصر وظيفة الأحزاب السياسية على خوض الانتخابات والوصول إلى السلطة. فالحزب وسيط بين المجتمع والدولة، وبين المطالب الاجتماعية وإمكانات تحويلها إلى قرارات وسياسات عامة. وهو، في هذا المعنى، ليس مجرّد تنظيم يتنافس على أصوات الناخبين، بل إطار يُفترض أن يساعد الأفراد على اكتشاف مصالحهم المشتركة، وصوغ مطالبهم، وتنظيم مشاركتهم في الحياة السياسية.
تتجاوز التعبئة السياسية مجرّد الدعوة إلى التظاهر أو حشد المؤيّدين في موسم انتخابي. إنّها عملية تهدف إلى تحويل الاهتمامات المتفرّقة إلى وعي بالمصالح المشتركة، وبناء الروابط بين الأفراد، وإيجاد أشكال من التنظيم تسمح باستمرار المشاركة وتطويرها.
غير أنّ انتشار الرسالة السياسية لا يكفي وحده لبناء حركة جماعية. فذلك يتطلّب تنظيماً قادراً على جمع المطالب، والتوفيق بين الاختلافات، وتحديد الأولويات، وتحويل المطالب الآنية إلى فهم أوسع للعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تنتجها.
لذلك، لا تُقاس قدرة الحزب على التعبئة بعدد الأشخاص الذين يستطيع جمعهم في الشارع فحسب، بل أيضاً بقدرته على بناء علاقة مستمرّة مع المجتمع، وإتاحة المجال أمام المواطنين للمشاركة في تحديد المطالب والوسائل والغايات.

فرنسا وأزمة الوساطة السياسية
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما تتّسع دائرة السخط الاجتماعي، فيما تعجز الأحزاب القائمة عن توفير قناة سياسية قادرة على احتوائه وتوجيهه.
يرى خبراء أنّ الأزمة في فرنسا تتجاوز الخلاف حول بنود محدّدة في الموازنة، وتعكس حالة أعمق من السخط الاجتماعي. وفي هذا السياق، قال إميل شابال، من جامعة إدنبرة، إنّ الشلل السياسي الذي أعقب الانتخابات النيابية عام 2024، والتي لم تُفضِ إلى حصول أيّ تكتّل على أغلبية مطلقة، أوجد “بيئة لا يستطيع فيها أيّ حزب أو حركة سياسية تأطير السخط الاجتماعي وتوجيهه”.
في مثل هذه الحالات، قد تتطوّر الحركات الاحتجاجية خارج الأطر الحزبية التقليدية، أو تتنافس الأحزاب على تمثيلها، أو تحول الانقسامات السياسية دون نشوء برنامج مشترك. وهكذا، قد يحضر السخط الاجتماعي بقوة في المجال العام، من دون أن يكتسب قدرة موازية على التأثير في السياسات العامة أو في توزيع السلطة.
الدولة وتدبير المطالب الشعبية
إذا كانت الأحزاب تؤدّي دوراً في تحويل المطالب الاجتماعية إلى فعل سياسي، فإنّ الدولة تحدّد، إلى حدّ كبير، كيفية الاستجابة لهذا الفعل. فحين تتّسع الاحتجاجات، تجد المؤسسات نفسها أمام مطالب قد تتراوح بين تحسين الخدمات العامة وتغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية وآليات اتخاذ القرار.
وقد تستجيب السلطة من خلال التفاوض، أو تقديم التنازلات، أو إطلاق الإصلاحات، أو زيادة الإنفاق العام. وقد تلجأ أيضاً إلى تدابير تهدف إلى ضبط الاحتجاجات وحفظ النظام العام. وتطرح هذه الاستجابات سؤالاً أساسياً: هل تنظر المؤسسات إلى الاحتجاج بوصفه مسألة أمنية ينبغي احتواؤها، أم بوصفه تعبيراً عن مطالب تستدعي استجابة سياسية واجتماعية؟
لا يعني الحفاظ على النظام العام أنّ كلّ مطلب احتجاجي ينبغي قبوله، لكنّ استعادة النظام لا تساوي بالضرورة معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج. فقد تنجح الدولة في إنهاء اضطراب ما من دون حلّ المشكلة الاجتماعية التي عبّر عنها، أو تقدّم إصلاحات تستجيب لبعض المطالب، فيما تبقى أسئلة التمثيل والمشاركة وتوزيع السلطة من دون إجابة.
لفهم هذه العلاقة، يمكن الاستعانة بالفيلسوف والمفكّر السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، ولا سيّما بمفهومه عن “الثورة السلبية”(Passive Revolution).
غرامشي والثورة السلبية
يتناول غرامشي كيفية تشكّل الهيمنة السياسية، وكيف تحافظ الجماعات الحاكمة على قيادتها، وكيف تستجيب الدولة للأزمات والتحوّلات الاجتماعية. فالسلطة، وفق هذا المنظور، لا تقوم على الإكراه وحده، بل تعتمد أيضاً على إنتاج القبول، وتنظيم المصالح، وصوغ الأفكار التي تمنح النظام القائم قدراً من الشرعية.
وعليه، لا يمكن فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع باعتبارها مواجهة مباشرة بين سلطة تملك أدوات القوّة وجمهور يطالب بالتغيير. فقد تواجه السلطة المطالب الشعبية بالقمع، أو تستوعب بعضها عبر إعادة تنظيم المؤسسات وإدخال تعديلات تسمح باستمرار النظام مع تغيير بعض جوانبه.
في هذا السياق، يقدّم مفهوم “الثورة السلبية” أداة لتحليل التحوّلات التي تُدار أساساً من فوق، من دون أن تقابلها بالضرورة عملية مستقلّة وموازية من التنظيم السياسي الشعبي من القاعدة.
لا يعني هذا المفهوم أنّ التغيير وهمي أو أنّ الإصلاحات عديمة الجدوى، بل يتيح دراسة العلاقة بين التغيير والاستمرارية: من يقود عملية التغيير؟ وأيّ مطالب تُستوعب؟ وهل تؤدّي الإصلاحات إلى توسيع قدرة الفئات الشعبية على التأثير في القرار السياسي، أم تستجيب لبعض مطالبها مع الإبقاء على العلاقات الأساسية التي تنظّم توزيع السلطة؟
بهذا المعنى، لا يكفي أن نسأل إن كانت الدولة قد استجابت للاحتجاجات، بل ينبغي أن نبحث في طبيعة هذه الاستجابة وحدودها. فقد تتحقّق مطالب اجتماعية ملموسة من دون أن تتغيّر الآليات التي تحدّد من يملك القدرة على صياغة السياسات واتخاذ القرارات. وقد تؤدّي الإصلاحات، في المقابل، إلى فتح المجال أمام مشاركة أوسع وإلى تغيير فعلي في موازين القوى.
يقودنا ذلك إلى سؤال يتّصل مباشرة بوظيفة الأحزاب السياسية: هل يمكن للإصلاحات التي تقودها السلطة أن تحلّ مكان التنظيم السياسي المستقل للمجتمع؟
قد تحسّن الدولة الخدمات، أو تعدّل السياسات، أو تطلق إصلاحات مؤسسية تُحدث تحسّناً حقيقياً في حياة الناس. لكنّ هذه الخطوات لا تكفي وحدها للحكم على ما إذا كان المواطنون قد اكتسبوا قدرة أكبر على المشاركة في اتخاذ القرار، أو تنظيم أنفسهم، أو مساءلة المؤسسات.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب: ألّا يقتصر دورها على استثمار لحظات الغضب أو استقطاب الناخبين عند اقتراب الانتخابات، بل أن تبني علاقات مستمرّة مع الفئات الاجتماعية، وتفهم مطالبها، وتوفّر قنوات لتحويلها إلى مشاركة سياسية منظّمة.
فالحشد قد يلفت الانتباه إلى مشكلة، أمّا التنظيم فيتيح متابعة المطالب وتطويرها، ومراقبة الاستجابة لها، ومساءلة الجهات المسؤولة عن تنفيذها. والتحدّي، في النهاية، ليس مجرّد جمع الناس في الشارع، بل بناء قدرتهم على الفعل السياسي المستمرّ.
بين تعبئة الجماهير وإعادة إنتاج النظام
إنّ العلاقة بين الأحزاب السياسية والتعبئة الجماهيرية والدولة أساسية لفهم الكيفية التي يتحوّل بها السخط الاجتماعي إلى قوة سياسية. فالمظالم تهيّئ شروط الاحتجاج، لكنّ التنظيم والتمثيل السياسي يؤثّران في قدرته على الاستمرار وإحداث تغيير.
ومن طرابلس إلى باريس، تختلف السياقات والظروف، لكنّ السؤال التحليلي يبقى قائماً: كيف تستجيب المؤسسات للمطالب الاجتماعية؟ ومن يمتلك القدرة على تمثيل هذه المطالب وتوجيهها؟ وهل يفضي الاحتجاج إلى توسيع قدرة المواطنين على التأثير في القرار السياسي، أم يجري احتواء بعض مطالبه من دون تغيير العلاقات التي تنظّم ممارسة السلطة؟