
بيروت – «القدس العربي»: وجّهت جمعية «تمكين للعيش باستقلالية» بطاقة دعوة لحضور العرض المسرحي «بغض النظر». ولمزيد من التفسير ورد في البطاقة «عمل مسرحي استثنائي. جميع ممثليه من مصابي الحرب. يخوضون خشبة المسرح. يحاكون حياتهم. ويحيكون مشاعرهم. ويحولوا ما عاشوه إلى فعل فنيّ.» وجملة أخرى على سبيل التعريف «المسرح هنا لا ينظر إلى ما فقدناه.. بل إلى ما بقي منّا.»
كل ما في الدعوة يستنفر حشرية المعرفة ويطلق عنان الأسئلة. تُضاء الخشبة في مسرح المدينة، وإذ بالملاءة البيضاء التي كانت تغطيها تبدأ بحركة فيها الكثير من التململ والضيق. حركة تتصاعد، ويظهر من تحتها بشر وكأنهم ينشدون الخلاص من موج عاتٍ، ويسألون عن نظرهم. تنزاح الملاءة البيضاء ويظهر من تحتها شبّان متعددون، فاقدي البصر، ونكتشف تباعاً خسارتهم لبعض من أصابع اليدين، أو اليد بكاملها، ووجوههم لحقها تشويه. وتبدأ الحكاية.
عندما تتحول اصابات الحروب وشرورها لإرادة حياة
هي حكايات أفراد وعائلات من ضحايا الحروب. روايات للعلم والخبر ترد على لسان كل من الشباب العشرة المشاركين في عرض «بغض النظر»، ومعهم سارة الفتاة الوحيد فاقدة لإحدى عينيها. روايات فيها الموجع، وفيها المضحك من شدّة الألم. وفي كلتا الحالتين تمّ اختيارها لسرد المسار اليومي لفاقدي النظر والمصابين بإعاقات جسدية وكيف تتواصل حياتهم من ألفها إلى يائها، دون تذمّر، وأولاً وأخيراً دون استجداء العطف.
يتوالى العرض المسرحي سارداً اللحظات الأولى لإصابة بعضهم، وكيفية وصولهم إلى المستشفيات، وأوامر نقلهم من مستشفى إلى آخر. ووسيلة النقل التي أقلتهم. سرديات تتزاحم فيها الكوميديا السوداء، بين من أصابتهم الحروب بأذية بالغة وبين محيطهم. كأن يطلب أحدهم حذائه من والدته، لتجيبه بأنها تفتقد «الفردة التانية». فيذّكرها بأن برجل واحدة، فالأخرى قطعها لغم أرضي مزروع في حقول قريته الجنوبية.
على مدى ساعة من الزمن كنّا كمتلقين في مسرح المدينة بمواجهة إرادة الحياة، وتحويل الألم إلى أمل. والفقد الجسدي ولو لعضو مهم كما النظر إلى حافز جديد وليس نقمة. في عرض «بغض النظر» على خشبة المسرح تجلّت الكرامة الإنسانية، والعزف على اوتار ايجابية من الحياة وتطويرها، وبأن الإرادة الصلبة لا تُصد.
مشاهد منسابة وتلقائية تخللت «بغض النظر»، بعضها استجلب الدمع السخي ألماً. وبعضها الآخر دموع فرح على سبيل المشاركة بطرفة وجدت لذاتها مساحة من خلال شبّان في مقتبل العمر لم تفارقهم نزعتهم العفوية في صناعة الموقف الجميل ابن لحظته.
مشهدية «بغض النظر» عمادها الأمل. حددته منذ اختيارها الأبيض لوناً للسينوغرافيا المعبّرة على أكثر من جهة، خاصة بمواجهة الملابس السوداء لكافة الممثلين. ذاك الأبيض الذي زنّر اكتاف الممثلين، او مزنراً لجباهمم في المشهد ما قبل الأخير حمل الكثير من الدلالات. وكان للموسيقى المرافقة للعرض حضورها المؤثر والمسموع.
انه مسرح الحياة. تصدت له المخرجة سارة قصير، رغم كل ما يعتريه من تحديات فيما يُعرف بإدارة الممثل. لقد كانت كمخرجة حيال ممثلين لم يسبق لهم لقاء بهذا الفعل التعبيري. ممثلون يتعايشون مع قدرة نظر جزئية أو محدودة، أو لا وجود لها كلياً. هو مسرح يمكنه أن يتواصل كهدف فني يحاكي العلاج بالدراما، وبخاصة لمصابي الحروب، ووفق مظلة تطال مزيداً من المصابين بشرورها، والذين قرروا ألا يكونوا عالة على مجتمعهم.
«بعض النظر» مسرحية من إعداد واخراج الدكتورة سارة قصير تُعرض على خشبة مسرح المدينة، لاقت في عرضها الأول ترحيباً حاراً من الجمهور، وتصفيقاً لدقائق متواصلة.
