
مشهدان اثنان جرى تداولهما هذا الأسبوع، على نطاق واسع، عبر وسائل الإعلام المختلفة، أولهما يتعلق بالرئيس البرازيلي المنتخب مجددًا لولاية رابعة “لولا دا سيلفا”، وهو يتوشح بالكوفية الفلسطينية، خلال مناسبة سابقة. والثاني مشهد مغنّية “هيب هوب” كولومبية وهي تُسقِط علم الكيان المنبوذ أرضًا وتدوس عليه بقدميها، بعدما حاول أحد الأشخاص تسليمه لها في مهرجان فني شهدته العاصمة بوغوتا؛ وهتفت المغنية بكلمات داعمة للقضية ورافضة للعَلم المشؤوم.
الواقع أن “الكوفية” صارت علامة على مناصرة قضية إنسانية عادلة لشعب مضطهد يعاني أقسى أصناف الحصار والتجويع والتقتيل. ولم تعد مقتصرة على العرب فقط، بل يحملها الكثيرون في مشارق الأرض ومغاربها، تجسيدًا لرسالة التضامن والوقوف بجانب الحق والشرعية. وبالتالي، نجد ذلك الرمز يحضر في المظاهرات وفي المهرجانات الفنية، كما يحضر في المنتديات الطلابية واللقاءات الفكرية… بل وحتى خلال الزيارات السياحية، فقد سبق لكاتب هذا المقال أن لمح شبابًا أوربيين، من الجنسين، يتوشحون بالكوفية وهم يكتشفون معالم مدينة مراكش.
بعيدًا عن هذا السياق العالمي المُشرِق والمُعبّر عن صحوة الشعوب ويقظة الضمائر، تُصِرُّ شرذمة من المدوّنين والإعلاميين والنشطاء والسياسيين المغاربة على التغريد خارج السرب، جاعلةً من “الكوفية” رمزًا قدحيًا غير مرغوب فيه.
أكثر من ذلك، اختار أصحاب هذا التوجّه الانخراط في حملة شعواء ضدّ مَن يُطلقُ عليهم ـ استهجانًا ـ “الكوفيون”، والمقصود بهم مناصرو القضية الفلسطينية الذين يهبّون إلى المشاركة في التظاهرات والوقفات السلمية التي تشهدها باستمرار مجموعة من المدن المغربية.
لا بأس من التذكير بأن “الكوفية” كانت حاضرة، منذ سنوات عديدة، في المشهد السياسي والجمعوي والثقافي والرياضي والإعلامي المغربي، كما تُحمَل بجانب العلَم الفلسطيني خلال المسيرات المؤيّدة للقضية، وهي المسيرات التي تحظى بنقل مباشر عبر التلفزيون الرسمي.
ولا بأس من التذكير أيضًا، بأن قيادة المغرب، على أعلى مستوى، أكدت باستمرار أنها تضع القضية الفلسطينية في المرتبة نفسها التي تحتلها القضية الأولى للمغاربة، أي الصحراء الغربية.
أمّا خصوم “الكوفية” فإنهم لم يعودوا يكتفون بالسخرية من حامليها فحسب، بل صاروا أيضًا يشيعون ثقافة الكراهية والنبذ تجاه “الكوفيين”، مُلوّحين بفزّاعة التخوين والتشكيك في وطنيتهم. ويميلون إلى نزعة “شوفينية” و”براغماتية” ضيقة جدًا، من منطلق ادّعائهم أن الوقوف بجانب القضية الفلسطينية يؤثّر سلبًا على قضية الصحراء. وهم في ذلك، لا يخفون انجذابهم المستلَب نحو واشنطن وتل أبيب، زاعمين بأن هذا الحلف يدعم الموقف المغربي أمام المنتظم الدولي. وينسون أو يتناسون أن بنيامين نتنياهو، في مناسبتين اثنتين، ظهر وهو يستشهد بخريطة العالم العربي، لكن حدود المغرب الجنوبية كانت مقسّمة، حيث بُترت الصحراء عن البلاد.
ثمة مفارقة لا تغيب عن كل مُتابع نبيه: أنصار القضية الفلسطينية يخرجون إلى المظاهرات والمسيرات، غير آبهين بالمضايقات الأمنية المحتملة (لأن معظم الوقفات يمرّ في ظروف طبيعية، بينما تتعرض وقفات أخرى أحيانًا إلى المنع والاحتكاك الأمني)، أما خصوم “الكوفية” فإنهم يكتفون بالتعبير عن موقفهم خلف شاشات الحواسيب والهواتف المحمولة، ولا يقوون على الخروج إلى الشوارع مردّدين مثلاً: “نحن ضد الكوفية، نحن مع التطبيع”!
عقدة “الهمزة”!
لم تتأخر رئيسة الحكومة المغربية، فاطمة الزهراء المنصوري، في الرد على الذين سخروا من أول خطاب لها أمام البرلمانيين، حيث ظهرت عبر الكاميرات مرتبكة وهي تقرأ الأوراق التي أُعِدّتْ لها باللغة العربية الفصحى، مع حرصها الشديد على إهمال النطق بحرف الهمزة الموجود في آخر العديد من الكلمات… لدرجة أن نائبة برلمانية معارضة قالت للوزيرة: “قد لا يهمنا الانتباه إلى سقوط الهمزة من الكلمات في خطابك، ولكن الأساس هو أن تنتبهي إلى أصحاب (الهموز) الذين يوجدون حولك”، و(الهموز) مفردة عامّية مغربية تحيل على مُنتهزي الفرص والظافرين بها بطرق ملتوية وغير مشروعة!
السيدة الأولى في الحكومة المغربية ردّت بحجّة أنها تتحدث اللغة التي يفهمها عموم الشعب المغربي، وقالت: “أنا انتخبني المغاربة وليس المشارقة، وأنا رئيسة حكومة مغربية وليس حكومة في الشرق الأوسط”، وتابعت كلامها بالعامية المغربية بما معناه: “لهذا السبب سأتحدث دائمًا بالدارجة المغربية، لأنني أخاطب المغاربة باللهجة التي يفهمونها. يفهمها الفقير والغني، الطبيب وبائع النعناع، هؤلاء هم من يجب أن يفهموني، وليس السوري أو العراقي أو المصري”!
يا للغرابة! فاطمة الزهراء المنصوري، عوض أن تعترف بنقصها الفظيع في اللغة العربية، شأنها شأن العديد من المسؤولين المغاربة ذوي التكوين الفرنكفوني، وعوض أن تخضع إلى دورة تدريبية مكثفة في هذا المجال من أجل امتلاك ناصية الخطابة بلغة الضاد، اختارت أسهل الطرق، وهي التحدث بالعامية؛ والنتيجة أنها أخطأت على مستويات عدة:
أولاً، لأنها تجاهلت أن الدستور المغربي ينصّ على كون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، ويُفترض في المسؤولين الكبار أن يعطوا القدوة لمن هم دونهم ولسائر المواطنين.
وثانيًا، لأنه يصعب تحويل النقاشات التي تدور في البرلمان، والتي ينقلها التلفزيون مباشرة، إلى كلام عامّي شعبي، لاستحالة “تدريج” مشاريع القوانين والأفكار السياسية العميقة، لما تتضمنه من مفاهيم ومصطلحات وتعابير متخصصة.
وثالثًا، لأنه لا يمكن للمغاربة أن ينغلقوا عليهم، ويقفلوا الأبواب والنوافذ في وجه أشقائهم المشارقة الذين يودّون التواصل معهم.
مع العلم بأن الكثير من المواطنين والمواطنات المغاربة غير المتعلّمين دأبوا خلال عقود على مشاهدة المسلسلات البرازيلية والمكسيكية المدبلجة باللغة العربية الفصحى، كما أن الآباء والأجداد كانوا “مُدمنين” أخبارَ وبرامجَ هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي) قبل توقّفها النهائي منذ نحو ثلاث سنوات. وكانوا يفهمون جيدًا مضمون خطابها ونشراتها حتى وإن لم يكونوا مُلمّين باللغة العربية الفصحى.
ومن ثم، فهذه مغالطة كبيرة ومبررات واهية القول إن استعمال الدارجة من لدن السياسيين هو وسيلة لتبسيط الخطاب وتقريبه إلى عموم الشعب. والحال أن معظم هؤلاء السياسيين لا يستعملون في اجتماعاتهم عادةً سوى لغة المستعمر القديم “ماما فرنسا”!
بين قبّعتين!
المشاهد الأولوية لمثول فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمانيين تُظهر أنها تنسى قبّعتها الجديدة كرئيسة حكومة، وتصرّ على عدم التخلي عن القبّعة الحزبية كمنسّقة لـ “الأصالة والمعاصرة” الذي احتل صدارة الترتيب في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وهكذا، تحاول إقناع الرأي العام بأنها “امرأة حديدية” قادرة على السجال الحاد في مواجهة “صقور” المعارضة، فتخصّص كلامها لانتقادهم والرد عليهم واستحضار إدارتهم السابقة للشأن الحكومي… وهي فرجة مسلّية قد ترفع نسب المشاهدة لدى المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي، ولكنها بعيدة عن التوافق مع ما هو منتظر من المسؤولة الحكومية الأولى.
والحال أن المطلوب أن تقتنع فاطمة الزهراء المنصوري في قرارة نفسها بأنها رئيسة حكومة للمغاربة جميعًا، وليس لأعضاء حزبها وللمتعاطفين فقط، كما أن المعارضة ليست خصمًا لها، بل تمارس دورها المنصوص عليه في الدستور.
إن السيدة الأولى مدعوة إلى التركيز على الاستجابة لانتظارات المغاربة من خلال البرنامج الحكومي؛ فهم يتوقعون منها خطوات عملية ترى النور في القريب العاجل، وليس إبراز قدرتها على المشاحنات مع المعارضة.
مدير مكتب “القدس العربي” في المغرب
