Published On 29/10/202629/10/2026

|

آخر تحديث: 22:52 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:52 (توقيت مكة)

واجه مسلسل “المدينة البعيدة” انتقادات واسعة طالت السيناريو من جوانب عدة. فبين مشهد صفع كايا لشقيقته ناري، الذي أعاد فتح النقاش بشأن العنف ضد المرأة في الدراما التركية، وتطورات قصصية أثارت اعتراضات تتعلق بالقيم الأسرية والأخلاقية، تصاعد الجدل حول خيارات الكتّاب والمسارات التي يرسمونها لشخصياتهم.

ولم تقتصر الاعتراضات على مشهد بعينه، بل امتدت إلى بناء الحكايات نفسها، ومدى اتساق تطوراتها مع منطق الشخصيات وتسلسل الأحداث، وما إذا كان الغرض منها إحداث الصدمة وإثارة الجدل.

قصص مقترحة list of 2 itemsend of listصفعة كايا تفتح ملف العنف ضد المرأة

لم يمر مشهد صفع كايا لشقيقته ناري في الحلقة 69 مرور الكرام، إذ أثار انتقادات في الصحافة التركية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولم تقتصر الاعتراضات على الاعتداء نفسه، بل شملت طريقة توظيفه في الحكاية، وأعادت طرح تساؤلات عن لجوء كتّاب المسلسلات إلى العنف ضد المرأة كلما احتاجوا إلى تصعيد سريع للأحداث.

ورغم محاولة صناع العمل إدانة الاعتداء من خلال موقف جيهان الرافض له، فإن الانتقادات امتدت إلى كاتبة السيناريو، وشملت تساؤلات عن ضرورة المشهد ومبرراته الدرامية.

وتناول موقع “ماينت” (Mynet) الانتقادات التي طالت كاتبة السيناريو، ناقلا تعليقات لمشاهدين استنكروا اعتداء رجل على شقيقته، وحذروا من التساهل مع العنف داخل الأسرة. أما موقع “تي جي آر تي خبر” (TGRT Haber)، فنقل اعتراضات ربط أصحابها المشهد بتراجع نسب المشاهدة، متسائلين عما إذا كانت الصفعة قد أضيفت لإثارة الجدل. واعتبر أحد المتابعين أن بعض المسلسلات تلجأ إلى مشاهد صفع النساء كلما تراجعت نسب مشاهدتها، منتقدا توظيف العنف وسيلة لتصعيد الأحداث.

العنف ضد المرأة.. جدل يتجاوز حدود الشاشة

لم يبدأ الجدل بشأن العنف ضد المرأة في الدراما التركية مع مسلسل “المدينة البعيدة”؛ فقد أثارت مشاهد الاعتداء المتكررة في مسلسل “اشرح لهم أيها البحر الأسود” اعتراضات تجاوزت مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت موضوعا لدراسة أكاديمية نُشرت عام 2020 في “المجلة الأكاديمية للمؤسسة التركية لحقوق الإنسان والمساواة”، بعنوان “ردود فعل المشاهدين تجاه العنف ضد المرأة في المسلسلات التلفزيونية: مسلسل اشرح لهم أيها البحر الأسود نموذجا”.

وحللت الدراسة تعليقات المشاهدين ومنشوراتهم، ورصدت اعتراضاتهم على مشاهد العنف، ودعواتهم إلى المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون ووزارة الداخلية وكتّاب السيناريو وشركات الإنتاج والقناة العارضة للتعامل بمسؤولية أكبر مع هذه المشاهد. وهكذا، امتد النقاش من العنف المعروض على الشاشة إلى مسؤولية الجهات التي تكتب هذه القصص وتنتجها وتعرضها.

ومع انتشار أعمال تناولت العنف الأسري ونجحت في استقطاب الجمهور، تكرر حضور هذه القضية في الدراما التركية، وهو ما يطرح سؤالا عن الطريقة التي يتعامل بها صناع المسلسلات معها: هل يقدمون العنف لأنه جزء أساسي من القصة، أم لأنه وسيلة سريعة لرفع التوتر وإبقاء المشاهد متابعا؟

لا تكمن المشكلة في تناول العنف الأسري، بل في طريقة تصويره وتوظيفه دراميا. فثمة فرق بين عمل يكشف معاناة امرأة تعيش تحت التهديد، ويتتبع أثر العنف في حياتها ومحاولاتها للخلاص منه، وآخر يكتفي بعرض مشاهد الاعتداء من دون أن يمنح تبعاتها المساحة نفسها من الاهتمام. وفي الحالة الثانية، قد يتحول العنف من قضية تستحق المعالجة إلى مشهد صادم سرعان ما تتجاوزه الأحداث.

ومن هنا، لا يقتصر تقييم مشهد الصفعة في “المدينة البعيدة” على ردود الفعل التي أثارها أو موقف جيهان الرافض لتصرف كايا، بل يتوقف أيضا على كيفية تعامل الحكاية مع ما تعرضت له ناري: هل ستمنح أثر الاعتداء عليها مساحة كافية، أم ستختزله في مواجهة بين الشقيقين قبل الانتقال إلى أزمة جديدة؟ فما يأتي بعد الاعتداء لا يقل أهمية عن المشهد نفسه، إذ يكشف مدى جدية العمل في معالجة العنف وتبعاته، وما إذا كان قد وظفه لتطوير الحكاية أم لمجرد إثارة الانفعال.

العلاقات الأسرية تحت ضغط الحبكة

بالتوازي مع الانتقادات المتعلقة بالعنف، أثارت تطورات أخرى في “المدينة البعيدة” اعتراضات لدى مشاهدين رأوا فيها تجاهلا للقيم الأسرية والأخلاقية. وتركزت الانتقادات على تشابك العلاقات داخل العائلة، وما تتضمنه من خيانات وعلاقات بين أشخاص تربطهم صلات مصاهرة، في مسارات درامية اعتبرها متابعون متجاوزة لحدود المقبول.

فقد أثارت علاقة رجل بزوجة شقيقه، وما نتج عنها من حمل وإنجاب طفل، جدلا بين المشاهدين، خصوصا مع اتجاه الأحداث نحو علاقة أخرى داخل العائلة. وتجددت الاعتراضات مع الإعلان الترويجي للحلقة السبعين، الذي كشف عن حمل أليا من جيهان، في وقت كان يستعد فيه للخطبة من برفين، ابنة ميرزا.

وزاد فارق العمر الكبير بين جيهان وبرفين من حدة الاعتراضات على هذا المسار. وعبّر بعض المتابعين عن استيائهم، متسائلين “إلى أي مدى يمكن أن يكون السيناريو أكثر إثارة للاشمئزاز؟”.

ولا يتعلق الجدل بمجرد وجود علاقات معقدة أو مفاجآت، وهي عناصر مألوفة في الدراما، بل بكيفية توظيفها ومدى اتساقها مع بناء الشخصيات والسياق العائلي للقصة. ومع تراكم هذه التطورات، رأى بعض المشاهدين أن الصدمات المتلاحقة باتت تطغى على المعالجة الدرامية.

وتطرح هذه الاعتراضات سؤالا أوسع: هل تخدم تلك التطورات الحكاية، أم تحول العنف والفضائح إلى وسيلة جاهزة لاستبقاء الجمهور؟ فمعالجة القضايا الشائكة تقتضي تتبع آثارها في الشخصيات وعلاقاتها، ومنح تبعاتها مساحة تتجاوز لحظة المفاجأة، بدلا من الانتقال من صدمة إلى أخرى.