تعد أفلام الويسترن من النماذج السينمائية الغربية الأصيلة التي كثيراً ما استحوذت على مخيلة المشاهد في العالم، إذ يحتفظ المتلقي في ذاكرته بأفلام سينمائية متنوعة لها قيمتها الفنية وصناعتها الجمالية من ناحية تشكيل الذوق الجمالي وتكوين ثقافة سينمائية أمام ما بات يطبع المشهد السينمائي العالمي من أفلام هشة غايتها الترفيه والاستهلاك.
وتتميز سينما الويسترن، باعتبارها نوعاً سينمائياً مختلفاً عن الأنماط الأخرى، في كونها سينما لها فضاؤها الآسر وأزمنتها المختلفة، فهي تبني شرعيتها انطلاقاً من وحدتها العضوية بالزمان والمكان، ذلك أن مجمل أفلام الويسترن تدور قصصها وحكاياتها في منطقة الغرب الأميركي وخلال زمن يمتد بين القرن الـ19 ومطالع القرن الـ20.
إننا هنا أمام أفلام يمكن اعتبارها تاريخية إلى حد كبير، أولاً لأنها تحافظ على علمية مفهوم التاريخ من خلال الارتباط بالزمن والمكان، وثانياً لأن معظمها أفلام تنطلق من أحداث شبه واقعية أو في الأقل تمتح ملامحها الواقعية من فضاء الغرب الأميركي الذي يحبل بكل ما له علاقة بلغة العنف والمطاردات والمغامرات والشخصيات الخارجة عن القانون الأميركي، ونظراً إلى البعد “الفرجوي” الذي تنضح به أفلام من قبيل “جاك ذو العين الواحدة” و”ريو برافو” و”حبيبتي كليمنتاين” و”جانغو الحر” فإن هذا الأمر جعلها تستهلك بسرعة، مما أثر بقوة في سيرورتها الإنتاجية داخل هوليوود، إذ تتمتع هذه الأفلام بقدرة سينمائية مذهلة على إعادة تخييل فضاء الغرب الأميركي وتقديم لقطات ومشاهد تصور ما يدور هناك من تصادم وعنف ورغبة في تملك السلطة وممارستها على طول الفضاء الموحش.
ارتباك النقد
لم تحظَ أفلام الغرب الأميركي باهتمام بالغ من لدن النقاد السينمائيين، على رغم ما يمكن أن يجدونه فيها من آفاق فكرية تدفعهم إلى مناقشة مفاهيم وقضايا لا تمنحها لهم النصوص الأدبية أو الأعمال المسرحية، فهي أفلام تحرض على التفكير وتدعو إلى ارتياد عوالم فلسفية لا متناهية مثل العنف والتاريخ والفضاء والحرب الأهلية.
لذلك لم تكن أفلام الويسترن في نظر كثير من النقاد سوى المختبر الحقيقي لما كان يعرفه فضاء الغرب الأميركي من ثورات دموية وعنف عقيم لا ينتهي، لكنهم في مقابل ذلك يجدون صعوبة في تشريح هذه المفاهيم على ضوء المتن السينمائي والسبب أن أفلام الويسترن لا تشبه الأفلام السياسية والاجتماعية التي عادة ما تمنح الناقد فرصة للحديث عن مفاهيم لا تخرج عن ثنائية الفرد والواقع والمجتمع.
من ثم، تفرض الويسترن على الناقد أن يكون متسلحاً بمعرفة فلسفية قوية وسياحة طويلة في الفكر البشري، بما يجعله قادراً على تفكيك شيفرات الصورة السينمائية ومحاولة فهم طبيعة العلاقة الساحرة بين التاريخ والفضاء والإنسان، إننا هنا أمام أفلام على رغم ما تراهن عليه من مغامرة وحركة وتشويق، فإنها تبقى في عمقها مركبة من ناحية خطابها الأنثروبولوجي وتبلور في مختلف أنماطها البصرية صورة مغايرة بالمقارنة مع بقية الأنواع السينمائية الأخرى.

يعد مفهوم “العنف” بمثابة علامة وجودية تنطبع بها أفلام الويسترن (مواقع التواصل)
لا نعثر داخل الثقافة الأميركية المعاصرة على مؤلفات علمية كثيرة تدرس تحولات أفلام الويسترن وترصد تاريخها وصناعتها وجمالياتها، بما يجعل المتلقي يتعرف إلى بعض من فلسفة هذه السينما واختلافها من ناحية الكتابة والتصوير والخطاب عن بقية الأنماط الأخرى داخل الفن السابع.
تغييب هذا النوع من المونوغرافيات الخاصة بسينما الويسترن أدى دوراً سيئاً في تغريب هذه السينما وتراجعها الكبير داخل المؤسسات الإنتاجية الهوليوودية مقارنة بأعوام خلت، كانت فيها حاضرة بقوة داخل عدد من المهرجانات وتحظى بإشادة واسعة من لدن الصحف والمواقع والمجلات، نادراً ما تطالعنا اليوم أفلام الويسترن، إذ يعدها عدد من النقاد أنها بمثابة أفلام تحكمت في صناعتها لحظات تاريخية، كانت فيها السينما الأميركية تعتبر العنف والحركة والمغامرة عبارة عن موضة جمالية تجعلها تراهن على مثل هذه الموضوعات التي تمنح للعمل السينمائي ديمومة متواصلة داخل شباك التذاكر مقارنة بصور أخرى.
صناعة جمالية غنية
كذلك فإن هذه الأفلام تمنح السينما الهوليوودية القدرة على اختراق الغرب الأميركي وإعادة كتابة وإنتاج قصص وحكايات مستلهمة من قاع هذا الفضاء الذي تغمره الحكايات والأساطير في مخيال المجتمع الأميركي، فهذا المتخيل شكل خلال بدايات القرن الـ20 مادة دسمة لكثير من أفلام الويسترن التي حاولت دائماً أن تعيد تخييل مجموعة من القصص ومحاولة منحها طابعاً سينمائياً يجعلها باقية في ذاكرة المشاهد الأميركي، من ثم تسعى مجمل الأفلام التي برزت بقوة خلال القرن الـ20 إلى محاولة استحضار هذا الموروث الشعبي وتوظيفه في الفن السابع بطريقة يغدو معها الفيلم السينمائي عبارة عن صور أنثروبولوجية تغوص عميقاً في مخيلة الإنسان الأميركي وعلاقته بالعنف والصمت ووحشة الفضاء وقوى الخير والشر، على هذا الأساس يجد الناقد السينمائي في هذا النوع من الأفلام ضرباً مركباً يمتحن ثقافته ورؤيته السينمائية ومدى احتكاكه بمفاهيم فلسفية تسعفه على فهم اللحظة السينمائية ومحاولة تفكيكها وإبراز ما تنضح به من صور ورموز وعلامات تستمد نسغها الفكري من التاريخ الأميركي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتعد مرحلة 1940 و1970 من اللحظات المضيئة في تاريخ أفلام الغرب الأميركي، إذ تمنحنا هذه المرحلة التاريخية نظرة واضحة عن فلسفة سينما الويسترن، حيث يعدها النقاد والباحثون بمثابة الفترة الذهبية لهذا النوع من الأفلام، لأنه مع بداية مرحلة الثمانينيات سيخفت وهج الويسترن لمصلحة سينما تجارية بدأت تكتسح الساحة الهوليوودية وتؤثر سلباً في جغرافيات الفن السابع بالعالم.
ولم تأت هذه اللحظة التاريخية إلا لتعلن نهاية هذا النوع السينمائي بعدما بدت الأفلام اللاحقة بمثابة حنين فني بالنسبة إلى عدد من المخرجين السينمائيين، إذ افتقرت في مجملها للعمق السينمائي الذي ميز أفلام الويسترن منذ مطالع القرن الـ20، باستثناء فيلم “جانغو الحر” لكوينتين تارانتينو الذي حصل على أرفع الجوائز السينمائية في العالم، لكونه تارنتينو قدم من خلاله نموذجاً سينمائياً مغايراً لسينما تحاول أن تحتفظ بملامح وجماليات أفلام الغرب الأميركي لكن مع ضرورة جعلها تنطبع بسمات فنية معاصرة.
العنف محرك الفضاء
يعد مفهوم “العنف” بمثابة علامة وجودية تنطبع بها أفلام الويسترن، ذلك أن غالب هذه الأفلام يحضر فيها العنف، باعتباره قضية مركزية تعالج بطرق مختلفة وأشكال متباينة من التخييل الجمالي بهدف القبض عن المفهوم وإعادة تمثله من جديد على شكل صور ومشاهد، بيد أن العنف في أفلام الغرب الأميركي يختلف بقوة عن أفلام الحركة الجديدة التي يعد فيها العنف مجرد عنصر جمالي يمنح الفيلم نوعاً من المغامرة المتخيلة والتشويق الحركي، في حين أن الغرب الأميركي من خلال فضاءات مثل صحراء موهافي وجبال روكي ونهر كولورادو تكاد تكون في المتخيل الجمعي الأميركي عبارة عن فضاءات تولد العنف، ما دام أنها ارتبطت تاريخياً بأحداث دموية مؤثرة في تاريخ أميركا الحديث.

نجحت أفلام الويسترن في القبض على المتخيل الجمعي للغرب الأميركي القديم (مواقع التواصل)
لذلك يصعب العثور على فيلم ويسترن من دون عنف سواء كان مادياً أو رمزياً لكون المخرجين يعتبرون أن هذا السلوك يكاد يكون “هوية” وجودية بالنسبة إلى الغرب الأميركي، ففي هذه البقعة الجغرافية أصبح مفهوم العنف بمثابة إرث فني داخل المنجز السينمائي، فيبرز في مشاهده الطبيعية بالنسبة إلى كتاب السيناريو والمخرجين نموذج الغرب القديم، لهذا يتم “الاحتفاء” به من خلال سلسلة أحداث تاريخية دموية طبعت هذا الفضاء الشاسع وجعلته مختبراً آسراً لميلاد كثير من الميثولوجيات حول الموت والحياة والمنفى، ويتسرب ذلك بشكل لا واع أحياناً داخل عدد من المشاهد السينمائية الأميركية.
نجحت أفلام الويسترن في القبض على المتخيل الجمعي للغرب الأميركي القديم وسعت جاهدة إلى تجسيده على الشاشة الكبيرة بطريقة مذهلة تنتفي فيها الحواجز بين الواقع والخيال، بل إن هذا الإرث السينمائي أصبح يفرض على المخرج السينمائي اعتماد أشكال بعينها في التصوير وطرق مختلفة في كتابة سيناريوهات أفلام الويسترن من خلال التركيز على جماليات الفضاء ووحشيته ومحاولة ضبط تفاصيل الحكاية وطرقها ومسالكها ومنعرجاتها، من أجل بناء وحدة سينمائية تجمع جملة من الصور المتناثرة داخل وحدة بصرية مركبة تشكل مشهداً سينمائياً معيناً.
إن صعوبة الاشتغال على هذا النوع السينمائي تصويراً وكتابة، جعلت كثيراً من المخرجين ينفضون عنه ويهتمون بنمط سينمائي “سهل” أكثر قدرة على تحريك الأهواء بين المشاهدين وجذبهم إلى قاعات السينما، في حين يعتبر البعض الآخر أن السبب الكامن في اختفاء أفلام الويسترن من المشهد الهوليوودي له أبعاد تاريخية محضة، تتمثل في كون المرحلة التي نعيشها سينمائياً والتحولات التي فرضتها التقنية على الصناعة السينمائية جعلت هذا النوع الفيلمي مجرد امتداد فني لذائقة سينمائية لم يعد يعول عليه جمالياً.
