مسكينة المدن التي لا مقهى لها. مثل بيت بلا حديقة أو شرفته مغلقة. روما كان لها مجلس شيوخ. مجموعة شرفات. باريس حوّلت الأرصفة الى شرفات في عبقرية البارون هوسمان. تنشأ المقاهي مع المدن كما تنشأ الأجيال والحقبات. جماعات جماعات، لها هويتها وألوانها وعبقرياتها. لذلك يتوازى تاريخ المدن والمقهى ويتوأم. لا تعود تعرف في حياة الناس، أيّهما المنزل وأيّهما المقهى. ويصبح أهل المقهى مثل قاعة الطعام وقاعة الاستقبال. أبناء جيلي كانت “الهورس شو” في بيروت امتداداً لمنازلهم ومكاتبهم وأحياناً تظاهراتهم أو مسارحهم.

كانت السياسي والفكري والمسرحي. ونقاش البلد. وكان الدوام في “الهورس شو” أشبه بالانتساب إلى نادٍ اجتماعي، تحكمه ضوابط وأعراف وولاء. نقلت الهورس شو المقهى نقلته الأهم. معها، لم يعد قهاوي ساحة البرج وقهوة أبو عفيف بل صار في الحمرا الجديدة ما بين الجامعة والمنارة. كل بيروت غيّرت عنوانها الحديث. “النهار” تركت سوق الطويلة و”أنطوان” حمل مكتبته وجاء إليها. بدل القهوة وجمهورها دشنت الهورس شو عصر المقهى الحديث: البيستروا. نصف مقهى نصف مطعم. في هذه الزاوية الصغيرة كانت تلتقي البورجوازية اللبنانية بجميع حيويتها. وتغيّر نجوم العاصمة ومعدل الأعمار.