موقع الدفاع العربي 28 مايو 2025: رغم عدم وجود تأكيدات رسمية، تزعم تقارير أن الهجوم الجوي الهندي ضمن ما يُعرف بـ”عملية سيندور” استهدف منشآت حساسة نوويًا في باكستان، مما تسبب — حسب الادعاءات — في تسرب إشعاعي بالغ الخطورة أجبر إسلام آباد على القبول بوقف إطلاق النار.
وقد أوردت وسائل إعلام هندية، ونقل عنها مستخدمو منصات التواصل، أن الهند نفّذت ضربة دقيقة بالغة الخطورة باستخدام صواريخ كروز ضد تلال كيرانا، وهي منطقة يُعتقد منذ زمن أنها تحتضن عناصر من البنية التحتية للبرنامج النووي الباكستاني.
ورغم انتشار هذه المزاعم، لم تصدر أي جهة رسمية، سواء من الحكومة الباكستانية أو من الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، تأكيدًا أو نفيًا لوقوع حادث في تلال كيرانا.
تقع تلال كيرانا في منطقة سرغودا ذات الطابع العسكري المكثف، وقد ظلت طي السرية منذ عقود، ويُعتقد أنها تضم منشآت تحت الأرض للتخزين أو التجارب، تعتبر بالغة الأهمية لردع باكستان النووي.
وتحمل هذه المنطقة رمزية تاريخية، إذ كانت مسرحًا لاختبارات نووية دون تفجير حقيقي (المعروفة باسم “الاختبارات الباردة”)، أجراها الدكتور عبد القدير خان وفريقه من مختبرات كاهوتا خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، أي قبل تفجيرات تشاغاي عام 1998 التي أدخلت باكستان رسميًا إلى النادي النووي.
وقد صُممت هذه الاختبارات للتحقق من آليات التفجير ونُظم التشغيل النووي دون إنتاج قوة تفجيرية فعلية، ما ساعد على تثبيت الأسس التقنية للسلاح النووي الباكستاني المبكر.
وبفضل موقعها الجغرافي المعزول والتضاريس الوعرة وبعدها عن التجمعات السكانية، كانت تلال كيرانا موقعًا مثاليًا للأبحاث النووية السرية، محميةً بطبقات من الحراسة العسكرية والاستخباراتية، بما في ذلك إشراف مباشر من الاستخبارات العسكرية ووكالة الاستخبارات (ISI) الباكستانية.
وفي مؤتمر صحفي مقتضب، نفى نائب قائد القوات الجوية الهندية، المارشال “إيه. كيه. بهارتي”، أي صلة للهند باستهداف تلال كيرانا، رغم الاشتباه في دور الموقع في الترسانة الاستراتيجية الباكستانية.
وقال بهارتي: “لم نستهدف تلال كيرانا – أياً كان ما يوجد هناك. لم أشر إليه في إفادتي الصحفية عن عملية سيندور أمس”، محاولًا التهوين من شأن التقارير المتداولة.
وأضاف بسخرية: “شكرًا لأنكم أخبرتمونا أن تلال كيرانا تحتوي على منشآت نووية، لم نكن نعلم ذلك.”
ورغم النفي، استمر محللو صور الأقمار الصناعية ومتابعو مصادر المعلومات المفتوحة (OSINT) في مراقبة الوضع بعد أن أُشيع أن الهند استخدمت صواريخ كروز بعيدة المدى، من بينها “براهموس” و”سكالب EG”، لاستهداف مواقع عالية القيمة داخل باكستان.
ومن بين الأهداف التي ورد ذكرها في تلك التقارير، قاعدة “مشّاف” الجوية في سرغودا، وقاعدة “نور خان” في روالبندي، وكلتاهما تقعان بالقرب من بنية القيادة والسيطرة النووية الباكستانية.
وتكتسب قاعدة نور خان أهمية خاصة، إذ تقع بجوار مقر “قسم الخطط الاستراتيجية” (SPD) — الجهاز المعني بالإشراف على العقيدة النووية الباكستانية وتخزين الرؤوس الحربية والاستعداد للتوصيل.
وقد أُسس هذا القسم مباشرة بعد التجارب النووية الباكستانية عام 1998، وهو أعلى هيئة مسؤولة عن أمن الترسانة النووية، وبروتوكولات النشر، وضمان بقائها في أي سيناريو تصعيدي.
ويعمل هذا القسم تحت مظلة “هيئة القيادة الوطنية” (NCA) برئاسة رئيس الوزراء، ويشرف على تطوير العقيدة النووية، وخطط التسليح، وبنية الأمان المادي، بما يضمن توافق الردع الباكستاني مع تطورات البيئة التهديدية في جنوب آسيا.
ويمثّل مقر SPD في قاعدة نور خان مركزًا محوريًا لاتخاذ القرار السريع والاتصالات المؤمّنة، ما يجعله ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الاستراتيجي الإقليمي.
وعلى بُعد 20 كيلومترًا غربًا، تتمركز قاعدة مشّاف الجوية، مقر أسراب مقاتلات “إف-16” الباكستانية، التي تُعد قاعدة أمامية لتنفيذ ضربات نووية انتقامية، ما يجعلها هدفًا ذا أولوية عالية في أي تصعيد استراتيجي محتمل.
وقد تصاعد التوتر أكثر بعدما رصد متابعو المصادر المفتوحة طائرة تابعة لوزارة الطاقة الأميركية من طراز Beechcraft B350 “نظام القياس الجوي Aerial Measuring System” (AMS) تحلق فوق الأجواء الباكستانية بعيد الضربات المزعومة.
وتحمل الطائرة، ذات الرقم التسلسلي N111SZ، أجهزة استشعار إشعاعية عالية الدقة وتقنيات متقدمة لرسم خرائط النظائر المشعة، وهي مخصصة لتتبع التلوث الإشعاعي جويًا وعلى الأرض بدقة فائقة.
طائرة Beechcraft B350 “Aerial Measuring System” (AMS)
تتميز طائرة Beechcraft B350 Aerial Measuring System (AMS) بقدرتها على الطيران بسرعات منخفضة وعلى ارتفاعات منخفضة، ما يجعلها مثالية لمسح التلوث الإشعاعي بدقة عالية، خصوصًا بعد الحوادث النووية أو التسريبات السرية.
وتمتلك الطائرة قدرة حيوية على نقل بيانات الإشعاع بشكل مباشر وآني إلى مراكز القيادة البعيدة، مما يُتيح للسلطات الأميركية تقييم الحوادث النووية حول العالم بسرعة وفعالية.
وقد استُخدمت هذه الطائرة سابقًا في مهام ما بعد الكوارث مثل كارثة فوكوشيما، وكذلك في تدريبات نووية داخل الأراضي الأميركية، ما يجعل من تحليقها علامة مميزة على حصول خلل نووي غير مُعلَن.
رحلتها فوق الأجواء الباكستانية — رغم عدم اعتراف واشنطن أو إسلام آباد بذلك — عززت بشكل كبير من فرضيات وقوع حادث إشعاعي في تلال كيرانا، ربما نجم عن ضربة دقيقة أو خلل داخلي في منشأة نووية حساسة.
وما زاد المشهد غموضًا، هو ما رصدته خدمات تتبع الطيران من وصول مفاجئ لطائرة نقل عسكرية مصرية من طراز Ilyushin IL-76 إلى منطقة موري الباكستانية، بعد ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار.
وأظهرت سجلات موقع FlightRadar24 أن الطائرة، التي كانت تحمل النداء اللاسلكي EGY1916، أقلعت من الصين، ثم توقفت لفترة وجيزة في مهبط “بُهُربان” (بالقرب من موري)، قبل أن تتابع رحلتها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
طائرة إليوشن إل-76 تابعة للقوات الجوية المصرية
هذا المسار والتوقيت دفع العديد من المراقبين والمحللين في مجتمع OSINT إلى الاشتباه في أن الطائرة كانت تشارك في مهمة طوارئ سرية، ربما لنقل مركّبات “البورون”، وهي مواد كيميائية تستخدم على نطاق واسع في بروتوكولات احتواء الإشعاع النووي.
وزعمت بعض المصادر أن الطائرة المصرية لم تكن تنقل معدات عسكرية فحسب، بل احتوت أيضًا على مركّبات قائمة على البورون، تُستخدم لامتصاص النيوترونات والحد من انتشار الإشعاع.
البورون، الذي يحمل العدد الذري 5، يُعد شبه فلز بالغ الأهمية في مجال أمان المفاعلات النووية، خصوصًا النظير “بورون-10” الذي يُعتبر من أقوى المواد امتصاصًا للنيوترونات.
وفي نظم الطاقة النووية، يُضاف البورون عادةً إلى قضبان التحكم أو أنظمة التبريد من أجل ضبط التفاعلات الانشطارية، والحيلولة دون ارتفاع حرارة قلب المفاعل أو تعرضه للانهيار.
أما في حالات الطوارئ النووية، كما حدث في تشيرنوبل وفوكوشيما، فيتم استخدام حمض البوريك ومركبات مشابهة لاحتواء التسريبات الإشعاعية — ما يجعل من البورون أداة لا غنى عنها في الاستجابة لحوادث الانهيار النووي.
وبينما يتعاظم الضباب المحيط بحادث تلال كيرانا، وسط مزيج من التضليل، والشائعات، وأنصاف الحقائق، تبقى حقيقة واحدة مؤكدة:
الاستقرار النووي في جنوب آسيا لا يزال هشًا ومليئًا بالمخاطر، والعالم ربما كان قريبًا من نقطة تصعيد نووي خطير، لم يُكشف بعد عن تفاصيله الكاملة.
