
كانت مقطوعة «المارش المصري» للموسيقار النمساوي يوهان شتراوس، من الأعمال الفنية التي تم تكليف كبار الموسيقيين في العالم بتأليفها وإعدادها، من أجل حفل افتتاح قناة السويس، ذلك الحدث التاريخي الكبير الذي غير وجه العالم، وربما كان أهم أحداث القرن التاسع عشر. المقطوعة قصيرة لا تزيد مدتها عن 4 دقائق، لكنها شديدة التكثيف الجمالي وفيها العديد من التقنيات الفنية الرائعة، بالإضافة إلى غنائيتها وميلوديتها البديعة، والنغم الراقص الذي يتميز به يوهان شتراوس الذي أرقص الكرة الأرضية في مدارها، كما قال عنه عباس محمود العقاد.
لا يتوقع السامع لهذه المقطوعة موسيقى مصرية أو شرقية، وإن حاول شتراوس إضافة بعض اللمسات الخفيفة التي قد توحي بذلك، فالمقطوعة لا تختلف كثيراً في طابعها وأجوائها عن مؤلفات يوهان شتراوس بشكل عام. عاش يوهان شتراوس في الفترة من عام 1825 حتى عام 1899، واسم شتراوس اسم موسيقي خالص، يشير إلى عائلة عريقة تعاقبت فيها الأجيال من المؤلفين والعازفين، والموسيقار الذي نتحدث عنه هنا هو يوهان شتراوس الثاني صاحب «الدانوب الأزرق»، الفالس الشهير الرائع، الذي يعد من أكثر المقطوعات الموسيقية سماعاً حتى اليوم.
قناة السويس جزء عزيز من مصر، وكل جزء في مصر عزيز، ومياه قناة السويس ليست كأي مياه أخرى، فمع أمواج هذه المياه تجري التضحيات والأحداث التاريخية الهائلة، وهذه المياه هي التي حملت أبطال الجيش المصري يوم العبور العظيم في 1973، الذين انتصروا على العدو الإسرائيلي ومحوا عار الهزيمة، واستعادوا الأرض المصرية من براثن المحتل، ومع هذه المياه أيضاً أنغام موسيقية ارتبطت بها كأوبرا عايدة على سبيل المثال، وكذلك المارش المصري. وكما كان إنجاز حفر قناة السويس حدثاً عظيماً، كان الافتتاح أيضاً حدثاً عالمياً أشبه بالأساطير، وارتبط بأعمال فنية كلاسيكية بالغة الرقي.
كان الفراعنة أول من ربطوا البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، لكن فكرة قناة السويس، التي تم حفرها في القرن التاسع عشر، فكرة فرنسية خالصة ظلت تراود الفرنسيين على مدى سنوات منذ عهد نابوليون بونابرت، إلى أن استقرت في ذهن ديلسبس ولم تغادره، وظل متشبثاً بها إلى أن نفذها وضرب بيده أول ضربة في الحفر ثم ضرب بيده الضربة الأخيرة التي تعلن انتهاء الحفر، كان ديلسبس قريباً للإمبراطورة أوجيني زوجة نابوليون الثالث، وكان يعمل في القنصلية الفرنسية في القاهرة، وكان مقرباً من أسرة محمد علي، حيث كان أحد الذين أوكلت إليهم تربية الخديوي سعيد منذ صغره، وبعد أن تولى سعيد باشا أمور الحكم، عرض ديلسبس عليه فكرة حفر القناة وتمت الموافقة على المشروع، وأنشئت شركة عالمية للقيام بحفر القناة، اكتتب فيها الخديوي سعيد نصف أسهمها باسم مصر. بدأ الحفر سنة 1859 ثم تولى الخديوي إسماعيل سنة 1863، وساند ديلسبس بقوة في المشروع الذي بدأه مع سعيد باشا قبل وفاته، لكن الخديوي إسماعيل اعترض على بعض البنود، منها تشغيل العمال جبراً في الحفر، وسط ظروف قاسية للغاية، ما أدى إلى فقدان الكثير من الأرواح المصرية، وهو الجانب المؤلم في قصة قناة السويس، الذي يذكر بتضحيات المصريين وما تعرضوا له من ظلم في تلك الفترة. كما اعترض الخديوي إسماعيل أيضاً على ما منح للشركة من أراض على ضفتي القناة، ودفع 84 مليون فرنك لكي تتخلى الشركة عن هذه الشروط.
الحفل الأسطوري
كان الخديوي سعيد صاحب قرار حفر قناة السويس، وجاء إسماعيل ليكمل من بعده، أما حفل الافتتاح الذي تم سنة 1869 فينسب كاملاً للخديوي إسماعيل، الذي أشرف بنفسه على برنامج الحفل واختار الموسيقيين الذين كلفهم بتأليف بعض الأعمال، وقام برحلة إلى أوروبا يدعو فيها الملوك والأمراء ورجال السياسة والفكر والفن والأدب لحضور الحفل، وشيد قصراً فخماً في مدينة الإسماعيلية التي سميت باسمه، وزرع عدداً كبيراً من الأشجار في الطريق المؤدي إلى الأهرامات من ميدان الجيزة. وصار حفل افتتاح قناة السويس مثالاً لبذخ وإسراف إسماعيل باشا، وهناك العديد من الحكايات التي تروى عن هذا الحفل، والكثير من الخيال الذي يحيط به، لكن هناك أيضاً العديد من المصادر التاريخية الموثوقة التي تقرب إلينا هذا الحدث، بما نستطيع من خلاله تكوين صورة شبه دقيقة عما جرى. ولطالما تم تصوير هذا الحفل على أنه كان مخصصاً للأجانب فقط، وأن دور المصريين في قناة السويس كان مقتصراً على الحفر الجبري الشاق والموت جوعاً وعطشاً ومرضاً في عهد الخديوي سعيد الذي كان معروفاً بالقسوة والشدة، لكن الحفل في حقيقة الأمر كان مفتوحاً للمصريين من كل أطياف الشعب، حيث يقول المؤرخ أحمد شفيق باشا: «وما وافى يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني، حتى توافد الناس من جميع أنحاء القطر من أسوان إلى الإسكندرية، على مدينة بورسعيد غرة القناة ومكان الاحتفال حتى ضاقت بهم أرجاؤها، فانتشروا على طول القناة مختلفي الألوان والهيئات والملبس، فكنت ترى السوداني في كوخه، والبدوي في خيمته المصنوعة من الشعر، والصعيدي في زربيته، والبحيري في بيته الصغير». ونقرأ أيضاً عن هذا الحفل أنه بدأ بتلاوة القرآن الكريم من بعض الشيوخ، ثم بعض الصلوات والترانيم من بعض القساوسة، بالإضافة إلى بعض العروض العسكرية إلى جانب العروض الفنية.
عند الاستماع إلى المارش المصري نتذكر قناة السويس وحفل افتتاحها التاريخي المهيب، ونتذكر جزءاً كبيراً من تاريخ مصر ارتبط بهذه القناة، لكننا نستمتع أيضاً بجماليات هذه المقطوعة الموسيقية البديعة، وخطوطها اللحنية الناعمة المرنة، على الرغم من قالب المارش الذي تنتمي إليه، والذي يفترض القوة والإيقاع الصارم، بينما خرج شتراوس قليلاً عن حدود هذا القالب، فقدم إلى جانب الإيقاع المنضبط ثيمات ميلودية جميلة، كما أدخل الصوت البشري أيضاً في القسم الأخير من المقطوعة، يؤدي بعض الغناء من دون كلمات، ما يوحي بروح الجماعة أو الشعب، والفرح بالإنجاز العظيم.
٭ كاتبة مصرية
