في زمنٍ كانت فيه الأرض لا تزال تدور حول الشمس، قبل أن يقرر نفر من العباقرة أنها قرص مسطح يحمله تنين أسطوري أو سلحفاة عملاقة تسبح في بحر من الفتاوى، كانت بلاد الشرق موطناً للحضارات التي علّمت العالم كيف يرقص، كيف يغني، وكيف يفكر دون أن يخاف من ظله في المرآة. من إيقاعات الدف في شوارع بغداد إلى أنغام الناي الحزينة في حلب، ومن قصائد المعري التي كانت تتحدى السماء إلى رقصات الجواري في قصور الأندلس التي كانت تجمع بين الأناقة والروح، كان الشرق ينبض بالحياة، يتنفس الفن، ويحتفي بالجسد كلوحة فنية تروي قصة شعوبها. لكن، ويا للأسف، جاءت عصابة تحمل اسمًا أطول من قافلة جمال في صحراء الربع الخالي: “أتباع الإسلام الصهيوني البريجينسكي التكفيري”. هذا الاسم، الذي يبدو كأنه عنوان أطروحة دكتوراه فاشلة كتبها طالب كسول في ليلة ممطرة، ليس مجرد لقب، بل هو قنبلة حروفية مصممة لتفجير كل ما هو جميل في تراثنا، من الرقص الشرقي إلى الموسيقى، ومن الفن إلى الكرامة الإنسانية ذاتها، ليحل محلها سوق إلكتروني لبيع البشر في إمارة إدلب، حيث النساء سلعة والفتاوى عملة صعبة.

هؤلاء “البريجينسكيون”، إن جازت التسمية، قرروا أن كل ما يجعل الحياة تستحق العيش حرام. الرقص؟ حرام، لأنه يحرك الجسد بطريقة تجعل الملائكة تشعر بالغيرة، على ما يبدو. الموسيقى؟ حرام، لأن صوت الناي قد يوقظ ضميراً نائماً. الفن؟ حرام، لأن رسم لوحة أو نحت تمثال قد يُلهي عن تلاوة فتاوى عمرها سبعة قرون. وحتى الابتسامة أمام المرآة قد تُعتبر حراماً إذا أطلت النظر، لأن من يدري، ربما تكون صورتك في المرآة كافرة بنفسها! لكنهم، في تناقض يستحق أن يُدرّس في كليات الفلسفة تحت عنوان “فن النفاق البشري”، أباحوا لأنفسهم كل شيء تحت مسميات براقة مستعارة من قاموس القرون الوسطى. “السبي”؟ حلال، لأنه يحمل اسمًا دينياً، وإن كان في الواقع تجارة بشرية تُدار على تطبيقات الإنترنت. “زواج المسيار”؟ حلال، لأنه زواج، لكنه يشبه إيجار سيارة ليوم واحد. “ما ملكت أيمانكم”؟ حلال، لأنه يبدو كمصطلح قانوني، لكنه في الحقيقة ستار لاستغلال النساء باسم الدين. تخيلوا المشهد في إمارة إدلب، التي تحوّلت إلى بازار إلكتروني يُشبه موقع أوليكس في نسخته القرون الوسطى: رجل بلحية طويلة ونظارة شمسية مزيفة يكتب على هاتفه الذكي إعلاناً: “للبيع: مواطنة سورية، العمر غير مهم، الدفع بالدولار أو بالبيتكوين إذا كنت من الثوار العصريين. فتوى مجانية مع كل عملية شراء!” وفي الخلفية، يُحرم هذا العبقري الرقص الشرقي، ذلك الفن الذي يحتفي بالجسد كتعبير عن الروح، ويعتبره عاراً، بينما يرى في بيع إنسانة على الإنترنت نوعاً من “الجهاد” المعاصر. يا لها من معادلة رياضية عجيبة: الرقص = حرام، بيع البشر = حلال. ربما يحتاج هؤلاء إلى مراجعة كتب الرياضيات قبل كتب الفقه، لأن المنطق لديهم يبدو كأنه خرج من آلة حاسبة معطلة.