شاهدت أخيرا فيلم «الست»، وفى بالى طبعا الهجوم الذى تعرض له منذ عرضه الأول مطلع الشهر بمهرجان مراكش السينمائى ثم بعد إطلاقه على شاشات السينما.

هذا الهجوم الواسع – على ما تابعت – استند إلى أن الفيلم، بدلا من تكريم السيدة «أم كلثوم» والاحتفاء بفنها وقيمتها، تناول حياتها الشخصية بشكل سلبى، مثل البخل على أهلها، والتسلط تجاه أعضاء فرقتها، والوحدة والانعزال، والاهتمام بفنها على حساب حياتها الزوجية. وانتقد آخرون الخروج عن بعض الوقائع الصحيحة لسيرتها، بينما تحفظ غيرهم على عدم ذكر معظم عمالقة الموسيقى العربية الذين تعاونوا معها.

فى المقابل، فإن أصواتا متفرقة دافعت عن «الست» من منطلق أن الأفلام المعاصرة التى تتناول السير الذاتية لعظماء الفن والسياسة لم تعد تسرد أعمالهم ومواقفهم سردا تاريخيا تسجيليا، بل تسعى لإضفاء ملامح شخصية وإنسانية فى سياق درامى يتيح حرية الاقتباس من الأحداث التاريخية بتصرف. وفى هذا السياق فإن إبراز الجوانب الخلافية من الشخصية محل التناول يضيف إلى إنسانيتها كما أن اختيار الوجوه المحيطة بها يكون وفق ما يتطلبه السياق لا التسجيل التاريخى الدقيق. شخصيا فإننى أميل إلى الرأى الثانى لأن العمل الفنى بالضرورة يعبر عن رؤية من يقدمونه، وطبيعى أن يكون خلافيا، وأن يتيح للجمهور الفرصة للنقاش والانحياز. ولكن دعونى أرجع للاعتراض الأساسى، أن الفيلم ركز على الجوانب السلبية من شخصية أم كلثوم، لأننى مختلف معه. على العكس، فقد خرجت منه بانطباع إيجابى عن شخصيتها حتى من خلال العناصر التى رأى فيها آخرون نواقص وعيوبا.

فى طفولتها مثلا، نقل لنا الفيلم ملحمة خروج هذه الموهبة الفذة من بيت بالغ الفقر، ومجتمع شديد القسوة، وظروف لا تقبل أن تكون الفتاة مطربة ولا أن يكون لها صوت أصلا. أليس هذا إيجابيا وجديرا بأن يزيد من إعجابنا بسيرة وكفاح «الست»؟ وفى تناول الفيلم لأبيها، لا أرى أنه كان نموذجا لأب مستغل أو قاس، بل لشيخ متعلم ولا يملك شيئا، يدرك أن ابنته موهوبة وقادرة على كسب المال من موهبتها، ولكنه فى ذات الوقت حنون عليها، حريص على سلامتها، مدافع عن مصلحتها، ومرتبك حيال ما سيواجهها حينما تنتقل للعاصمة وتقتحم عالما غريبا عليه وعليها. وفى موضوع البخل، هل يعيبها أن تكون شأن الناس كلها، حريصة على مالها، قلقة مما يخبئه المستقبل، ومنزعجة من اندفاع أخيها فى الصرف؟ هل يقلل من قيمتها ومكانتها وموهبتها الفذة؟ وكذلك الوحدة، ألم نقرأ عن عظماء فى مختلف المجالات كانت عبقريتهم وتفوقهم الفذ حاجزا بينهم وبين الناس فى بعض الأوقات؟ فما بالنا بسيدة الطرب الأولى؟

ثم دعونا من التفاصيل ولننظر إلى الصورة الإجمالية. شخصيا أرى أن الفيلم نجح فى أن ينقل لنا كيف كانت «أم كلثوم» الرابط الجامع لكل طبقات الشعب المصرى وفئاته، ولأهل الريف والحضر، ولجمهور العهدين الملكى والجمهورى، وللامة العربية بأسرها، وللعرب المغتربين فى بلاد العالم، وكيف قاست وعانت فى حياتها، وكيف تجاوزت محنا ومصاعب تهد الجبال، وكيف وقفت مع وطنها فى محنته، وكيف ضحت بسعادتها الشخصية من اجل رسالتها الفنية، وكيف رفعت ولا تزال ترفع رأسنا كل يوم وكل مساء. ثم كانت بجانب ذلك إنسانة تعانى وتخاف وتقلق وتحزن وتغضب مثلنا جميعا. وهذه الإنسانية تزيدها احتراما، وتقربها من قلوب الأجيال الشابة.

فشكرا لمن قدموا لنا هذا الفيلم الجميل، وكل عام وأنتم بخير.