تجربة بصرية غامرة تقدّمها “مؤسسة بسام فريحة للفنون” في أبوظبي، تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية للفن العربي في معرض “انعكاسات” مع فلسفة الانتماء المعاصر في معرض “الوطن لا يحدّه مكان”، لتُعيد صياغة مفهوم “البيت” كحالة شعورية تتجاوز حدود الجغرافيا وتتجسد في عمق اللوحة.

في السعديات، تُعيد المؤسسة تعريف العلاقة بين “المقتني الخاص” والجمهور العام، وتأخذنا في رحلة ثنائية مدهشة عبر معرضين؛ أحدهما يستنطق الذاكرة الجماعية العربية، والآخر يفتش عن دفء “البيت” في ثنايا الغربة.

 

هيلين الخال، “البحر الأخضر“ (1970). (مجموعة فيلان)

هيلين الخال، “البحر الأخضر“ (1970). (مجموعة فيلان)

 

“انعكاسات”: بيانٌ بصري عربي
يُقدّم معرض “انعكاسات: الفن الحديث والمعاصر من مجموعة فيلان” عرضاً لمقتنيات زوجين شغوفين، ويشكّل “استعادة” بصرية لتاريخٍ مشتت. الزائر قسم “أصوات بين السطور”، أحد الأقسام الثلاثة للمعرض، يلمس جروحاً وآمالاً صاغها روادٌ عرفوا كيف يحوّلون القلق الوجودي إلى لغة عالمية.

إذاً، ينقسم المعرض إلى ثلاث مناطق متداخلة ومترابطة تضمّ أعمالاً فنية حديثة ومعاصرة من العالم العربي. في القسم الافتتاحي، “بلاد الشام والعالم العربي الأوسع: أصوات بين السطور”، يتوقّف المشاهد مذهولاً أمام شخوص بول غيراغوسيان المترامية بأناقة، ويقرأ في انكسارات لؤي كيالي مأساة الإنسان المعاصر، ثم ينتقل إلى تجريدية إيتيل عدنان التي تمنح الطبيعة صوتاً شعرياً، ويسافر في ألوان هيلين الخال نحو أعماق الإنسانية. يكمن ذكاء هذا المعرض في خروجه عن “الترتيب الزمني” المملّ، ويضع الحداثة اللبنانية والسورية في حوارٍ مباشر مع الحداثة الإماراتية، ويغوص في الأعماق لينبش في آلام الحروب وضجيجها وفي مرارة العزلة، ليبلغ القوة الهادئة الكامنة في الألفة والتواصل.

 

آدم حنين، “القارئ“، (1968 - 1969). (مجموعة فيلان)

آدم حنين، “القارئ“، (1968 – 1969). (مجموعة فيلان)

 

القسم الثاني، “فن شمال أفريقيا: أشكال الاستمرارية”، يتناول كيفية صهر الفنانين الحداثيين للموروث البصري في قوالب معاصرة، حيث تتجلى منحوتات آدم حنين البرونزية وبردياته المرسومة، جنباً إلى جنب مع عوالم إنجي أفلاطون التعبيرية وتكوينات محمد المليحي المستلهمة من سحر الهندسة الإسلامية.

حين تصل إلى القسم الختامي، “الفن الإماراتي: هذا المكان، هذا الشعور”، تطالعك أعمال حسن شريف وحسين شريف ومحمد كاظم ومحمد أحمد إبراهيم ونجاة مكي وعبد القادر الريس. هؤلاء ساهموا في تشكيل لغة الفن المفاهيمي والتجريدي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهنا تدرك أنّ “الانعكاس” المقصود في عنوان المعرض هو انعكاس الأرواح في مرآة واحدة. يبرز التزام عائلة فيلان الطويل تجاه المشهد الفني في أبوظبي، ويبرز أيضاً دور فيروز وجان-بول فيلان اللذين، بجمع اللوحات، جمعا “حالات إنسانية”، محولين منزلهما – ثم المؤسسة – إلى جسرٍ يربط بين نسيج شمال أفريقيا وعمق الخليج.

 

حسين شريف، بلا عنوان، 2019. (مجموعة فيلان)

حسين شريف، بلا عنوان، 2019. (مجموعة فيلان)

 

الوطن كـ”غرفة” داخل الروح
على نقيض الرحلة التاريخية في “انعكاسات”، نجد أنفسنا في مواجهة مباشرة مع الحاضر والجسد في معرض “الوطن لا يحده مكان” للفنانة الغواتيمالية إميلي دوبوا.

دوبوا تطرح سؤالاً حاداً: ماذا لو كان الوطن شيئاً نحمله في حقائبنا وليس أرضاً نقف عليها؟ في عملها التركيبي “غرفة المعيشة”، الجدران والأثاث مساحة لـ”البوح” اللوني. بضربات فرشاة عريضة وعفوية، تكسر الفنانة قدسية “الإطار”، أي أنّك لا تشاهد العمل بل “تسكنه”.

 

من أعمال إميلي دوبوا في معرض “الوطن لا يحده مكان“. (BFAF)

من أعمال إميلي دوبوا في معرض “الوطن لا يحده مكان“. (BFAF)

 

هذه التجربة الغامرة هي تجسيدٌ بليغ لحالة “الشتات الإبداعي” التي يعيشها الكثيرون في دولة الإمارات؛ حيث يصبح “البيت” عبارة عن توليفة من ذكريات الماضي وتفاصيل الحاضر. الفن هنا فعلُ “ترميم” للذات، وهو ما يجعل اختيار مؤسسة بسام فريحة لهذا المعرض اختياراً ذكياً، يربط الفلسفة الجمالية بالواقع الديموغرافي والاجتماعي لأبوظبي.

في مجتمعٍ حيوي كالإمارات، لا تتقيّد الهوية الثقافية بحدود الجغرافيا التقليدية؛ تتشكّل كـ”حالة انسيابية” من الانتماء العاطفي الذي يسكن الروح. تتحول تجربة العيش بعيداً عن الجذور إلى رحلة إبداعية لإعادة اكتشاف “الوطن” كقيمة إنسانية شاملة. ومن هنا، يبرز الفن البصري كجسرٍ حضاري يترجم هذا المزيج الفريد من الحنين والأمل، محولاً التعددية الثقافية إلى لغة بصرية نابضة بالصدق.

 

ضياء عزاوي، “نبتة خيالية“ (2020). (مجموعة فيلان)

ضياء عزاوي، “نبتة خيالية“ (2020). (مجموعة فيلان)

الجمال حقٌّ مشاع
ما يجمع هذين المعرضين هو الرؤية التي أرساها بسام فريحة. نحن أمام مؤسسة تؤمن بأن الفن ليس “نخبوياً” أو معزولاً، بل هو فعلُ تواصلٍ يومي مُتاح للجميع. الدكتورة ميكايلا واترلو نجحت في صياغة لغة تقييمية (Curatorial) تجعل الزائر يشعر بأنه شريك في التجربة، وليس مجرد مراقب خارجي.

إن القيمة الكبرى هنا تكمن في “صدق” المقتني. عائلة فيلان التي اتّخذت الإمارات وطناً لثلاثين عاماً، لا تعرض أعمالاً للاستعراض. تعرض رحلة عمر. هذا الصدق هو ما يجعل “انعكاسات” و”الوطن لا يحده مكان” فصلين في كتاب كبير عنوانه الإنسان في مرآة فنه.