القاهرة ـ «القدس العربي»: شهد عام 2025 العديد من الأفلام، سواء الروائية أو الوثائقية التي تناولت القضية الفلسطينية، والتي تزامنت وحرب الإبادة المستمرة على غزة، وموقف المتفرّج الذي تتخذه أنظمة الحكم العربية على اختلافها. من هذه الأفلام التي لاقت صدى عالمياً من خلال فوزها بعدة جوائز في مهرجانات سينمائية عالمية، وكذا ترشحها لجائزة الأوسكار ضمن القائمة القصيرة.. (فلسطين 36) إخراج آن ماري جاسر، (صوت هند رجب) إخراج كوثر بن هنية، و(اللي باقي منك) إخراج شيرين دعيبس. اللافت أن هذه الأفلام على تنوع موضوعاتها، قامت بكتابتها وإخراجها مخرجات عربيات، حيث تناولت كل منهن شكلاً ووجهة نظر في معالجتها للقضية الفلسطينية، وكذا رؤية مُغايرة فكرياً وفنياً للتعبير عن الصراع غير المُتكافئ بين الإبادة والمقاومة. كذلك توحدت كل من جاسر ودعيبس في الاستناد إلى الذاكرة، ومحاولة البحث عن جذور المأساة الفلسطينية، وأسباب ما وصلت إليه الآن، بينما بن هنية استندت إلى حدث راهن، تم تداوله عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، والمتمثل في استشهاد الطفلة هند رجب تحت سمع وبصر العالم!
ونحاول هنا قراءة فيلم «اللي باقي منك» سيناريو وإخراج شيرين دعيبس. أداء.. محمد بكري، صالح بكري، شيرين دعيبس، آدم بكري، ماريا زريق، ومحمد عبد الرحمن. تصوير كريستوفر عون، أزياء زينة صوفان، موسيقي أمين بوحافة.

من النكبة إلى الإبادة

يستعرض الفيلم حياة عائلة فلسطينية عبر ثلاثة أجيال.. الجد، الابن، والحفيد، في الفترة الممتدة منذ 1948 وحتى 2022. ومن خلال هذه الشخصيات والأزمنة المختلفة يتم تناول القضية الفلسطينية، وطبيعة الاحتلال، وكيفية مواجهة الشخصيات وتحولاتها في هذا المناخ. كذلك يستعرض الفيلم تفاصيل عائلة عادية تشبه أغلب العائلات الفلسطينية التي تعاني كل لحظة من موبقات الاحتلال.. (الجد شريف) الذي تم تهجيره من بيته وأرضه، والذي لم ينس لحظة أنه ولد حُراً وعاش زمناً كذلك، و(الابن سليم) الذي نشأ في ظل الاحتلال، وبالتالي أصبح أكثر مهادنة ومراوغة حتى يتجنب أي شكل من أشكال المواجهة، ثم (الحفيد نور) الذي يُسقط الأب من حساباته، ويستند إلى حالة التواصل مع الجد، الذي يمثل الذاكرة، والذي يحكي دوماً عن بيتهم القديم والبساتين والبرتقال الذي في الحديقة، وهكذا تفاصيل تستقر في ذهن الحفيد، وهو الامتداد الطبيعي للجد، حتى بعد رحيل الأخير، ومن خلاله أصبح الحفيد يمثل الجيل الغاضب، الذي لا يرى سبيلاً سوى المواجهة، حتى لو كانت بالحجارة مقابل الرصاص.

ذاكرة وتخاذل ومقاومة

 

«أنا هنا لأخبركم من هو ابني.. ولكن لكي تفهموا يجب أن أخبركم بما حدث لجده» بهذه العبارة تبدأ (حنان/شيرين دعيبس) الأحداث. هي أم الحفيد نور، المستلقي الآن ميتاً إكلينيكياً في المستشفى جرّاء مشاركته في أحداث انتفاضة 1988، وإصابته برصاصة في المخ. لنشهد بعدها حياة الجد وأسرته وتهجيرهم، والقبض عليه، وعمله مرغماً في الكيبوتسات الناشئة عام 1948، ثم عودته إلى أسرته التي هجرت يافا مريضاً بأمراض مزمنة لازمته حتى آخر حياته. ثم استعراض حياة الابن (سليم) وزواجه من حنان، وعلاقته بـ(نور). هنا نحن في عام 1978 حيث محاولة سليم تجنب جنود الاحتلال، فهو مدرس لغة عربية يحاول العيش في هدوء، ولكن عند عودته من المدرسة برفقة ابنه الطفل (نور) يرضخ للهو بعض جنود الاحتلال، وقد هددوه بالموت هو وابنه، ليرى الأخير كيفية إذلال والده، هذا الموقف الذي سيُبعد الابن عن أبيه تماماً، حتى إنه يصفه بـ(الخائن)، ولا يتعامل سوى مع جده، يُشاهد معه نشرات الأخبار، ويغني معه الأغنيات الوطنية، بينما يرى سليم في أفعال والده وابنه أنها أفعال خائبة لا علاقة لها بالواقع. ثم نعود مرّة أخرى إلى وجه الأم (حنان) وقد شرحت الأحداث عباراتها التي نطقت بها في البداية. كان من الممكن أن ينتهي الفيلم عند هذه اللحظة، إلا أن المخرجة رأت نهاية أخرى تليق بالعالمية.

وهم التسامح

نعود إلى عام 1988، حيث تقترح المستشفى موافقة الأب والأم بالتبرع بأعضاء ابنهما، الذي لا أمل له في الحياة، هنا يأخذ الفيلم منحى آخر، وكأنه فيلم مستقل عن الأجزاء السابقة، التي بدأت بالجد وانتهت بالحفيد، الفيلم الذي امتد زمن عرضه إلى ساعتين و25 دقيقة، لندور في فلك محاولات فارغة وأسئلة عبثية لا تثور إلا في عقل آخر وظروف أخرى، فالأب يسأل عن ماذا لو انتقلت أعضاء ابنه إلى شخص من المحتلين؟ ولكن الأم تشرح له أن الابن بهذه الطريقة سيعيش من خلال آخرين، وأنه سينجو من الموت!

قبل الإبادة بقليل

ولكن هل سينتهي الأمر؟ لا، نصل إلى عام 2022 حيث تبحث الأم عن الأشخاص الذين انتقلت إليهم أعضاء ابنها، ليتبقى شخص أخير، وهو بالطبع إسرائيلي تمت زيارته وأسرته وهو طفل، ولكن الأم تريد أن تعرف مستقبله، خوفاً من أن يصبح قاتلا! لا تتعجب الآن، فالآتي أعجب.. فجميع أعضاء الشاب (نور) انتقلت ولله الحمد إلى فلسطينيين، أما القلب فقد انتقل إلى شخص يهودي، وعندما التقته (حنان) وقالت إن قلب ابنها هو الذي ينبض، فيرد الشاب اليهودي آلان ولكنه داخل جسد يهودي، وطمأنها أنه لا ينتمي إلى جيش الاحتلال، فهو معتل الصحة، فقط.. هذا هو السبب!

فكرة التضحية هذه، التي تم إقحامها على أحداث لا تنتمي إليها ولا حتى افتعال إرهاصات ما توحي بها، فهي فكرة منفصلة عن أحداث الفيلم، إلا أنها لم تأت من فراغ، أو ظهرت فجأة، اللهم إلا على الشاشة، ولكن صاحبة الفيلم كانت تستهدف هذه الفكرة وتحوم حول تقديمها، فخلقت مجالاً ووقتاً طويلاً للتعاطف مع الشخصيات، إلا أن هذا لم يشفع لها أيضاً. فهل من المعقول أن نتحدث عن التضحية والتسامي في وقت مثل هذا؟ خاصة أنها تتوقف بالأحداث قبل إبادة غزة بقليل، حتى إنها ـ حسب حواراتها في المهرجانات ـ انتقلت اثناء التصوير إلى مكان آخر بعد بداية أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. لتؤكد على لسان شخصية حنان، والتي أدت دعيبس دورها بالمرّة.. بأن الإنسانية في ذاتها مقاومة! فهل من الممكن أن تحل البلاغة القضية وتصبح هي القادرة على مواجهة الرصاص والموت؟