عباءةُ أمِّي المطرّزة بقيت بلا خيطٍ ينهيها. وشاح والدي عُلِّقَ في الخزانة، ينتظرُ من يرتديهِ. أختي الصُّغرى تطالبني بصنعِ قطعِ حلوى يوميًّا بعد الإفطار، وتنسى أنَّني مبتورةُ الأصابع. أخي يتفقَّد المؤونة كلَّ مساءٍ خشيةَ الإملاقٍ، ولا يدرك أنَّنا منذ سنتين هجرتنا الفئرانُ.

بالأمسِ كان عشاؤنا علبة سردينٍ مع أرزٍ بائتٍ، حبَّة تمرٍ لكلِّ واحدٍ منَّا، قطعة خبزٍ لا تكفي لإشباعِ عصفورٍ، وتفاحة. بعدها علينا أن ندعو بالعمر الطَّويل للجمعياتِ الخيرية، ثمَّ للدولة العميقةِ لدعمها لهذه الجمعياتِ.

جارنا يعدُّ كل يومٍ وليمةٍ ليدعو إليها الأغنياء المساكين المتخمين، ثمَّ يكتب في صفحته على “فيسبوك”: تم بعونِ الله إقامة إفطار جماعي لأربعينَ مسكين من إخوانِنا الأيتام. في الشقَّة نفسها، نامت أمُّ سعد ليلتها جائعةً.

تمشي في الشَّوارع ترى كلَّ الشرفاتِ مضاءة بالزِّينة. وأنا أيضًا أضأتُ زينتي، لكنَّها مطفأة في غيابِ والديّ. زينتي تضيء أحمر، أخضر، برتقالي… مطفأة في عينيَّ.

قبل أسبوعٍ من رمضان قررت بلدية قريتنا تعليق أقمار على أعمدة الكهرباء، فأخطأوا وفصلوا التيار الكهربائي عن كل من ليس بقدرتِه دفع الفاتورة للمولِّد.  قيل إنَّهم في حالةِ عجزٍ هذه السَّنة، فلم تقدّم البلديّة صدقة الشَّهر إلا للأقارب والأقارب أولى بالمعروف كما هو معروف.

أخبرتُ أختي الصغرى أن الحليب كافٍ لإشباعنا، وإن كان غير ذلك لماتت القطط حديثة الولادةِ. ضحكت وقالت:” غرني حديثك الكاذب وإن جعتُ أثناء النّهار؟”. كان سؤالها أعمق من صمتي… أجابها أخي:” اُرسمي أمَّنا في المطبخ تعدُّ أطباقًا شهيةً”.

في مخيلتي لم أرسم أمِّي أنا، بل رسمت والدي عائدًا من العملِ وبيدهِ عشاء هذه اللَّيلةِ.

مرحبًا، هل تذكّرتموني؟ نسيت أن أتحدّث عن زمنَين مختلفَين، لكنّني شئت أن أكتب لكم فصلًا من روايةٍ مبتورة، هي رواية لم يقرأها أحدٌ بعد، أو على وجه الدّقّة، لا أحد يريد أن يراها، فالكلّ مشغولٌ بنفسه، لا أحد يحدّق في المشاهد الماثلة أمام عينيه كلّ يوم، وكأنّ ما يحدث هو “بروفا” لمسرحيّة هزليّة بصيغة الكوميديا السّوداء، لا بأس، الفردانيّة سمة العصر، ولكن هل فتّش أحدكم في جعبته عن دوره الحقيقي؟ ماذا تعرفون عن أمّ سعد؟ وعن جارنا الفوتغرافر قنّاص الولائم؟ ماذا تعرفون عنّي؟ وعن أخي؟ وعن أختي؟ وعن الفئران التي باتت تُبغضنا بعد أن تضوّرت جوعًا في بيتنا؟ لا بأس، إنّنا سنُطعم القطط، ونرسم وجه أمّنا وظلّ والدنا، سنزيّن قلوبنا برمضانٍ تعلّمناه من خالقكم لا من خلقكم، لا بأس، هذا فصلٌ من رواية لا تكترثون بها، إنها الواقع.