احتضنت مكتبة محمد بن راشد، ضمن «ليالي سينيوليو» السينمائية التي أقيمت مؤخراً، 5 أفلام حملت المشاهدين في رحلة بين ثقافات وبلدان متعددة. ونسجت الفعالية خيوط الدهشة، ووثقت الصلة بين المتلقي وسحر الشاشة الكبيرة.

وخلال الأمسية التي تولّى تقديمها المخرج الإماراتي نواف الجناحي، انفتح أمام الجمهور مشهد سينمائي عابر للحدود، من توليفة من الأفلام. وأسهم هذا التنوع في توسيع أفق التلقي، وإثراء الحس الجمالي للجمهور بتجارب تنتمي إلى مدارس وأساليب سينمائية متباينة. وفي السطور التالية، قراءة تتوقف عند أبرز الملامح الفكرية والخصائص الفنية التي شكّلت ملامح تلك التجربة البصرية الآسرة.

الفقد والحزن والحب.. محاور رئيسة دارت حولها أحداث الفيلم الكندي القصير «جانب مظلم»، الذي ينتمي إلى فئة الخيال العلمي، ويسرد قصة رائد فضاء تعرَّض لمأساة مدمرة، ليكافح محاولاً إكمال مهمة بين النجوم لإنقاذ طاقم مفقود، عبر رحلة بحث عن النور بعد الانفجار. «ماذا يحدث بعد الموت؟».. سؤال جدلي طرحه الفيلم الفرنسي القصير «ذكرى»، الذي أخرجه فابريس ماثيو سنة 2012، ويتناول رحلة متخيَّلة لرجل ميت، ليقودنا خلال تلك اللحظة الغامضة التي تفصل بين النفس والجسد، إلى الغوص في عالم فلسفي عميق نحو الذاكرة الأبدية.

وعلى مدى 13 دقيقة من مجريات أحداث الفيلم القصير، قدم العمل رؤية جريئة، مستمداً الغموض والشغف من فضاءات مفعمة بالوحدة والتفاصيل السريالية، حيث تبدأ الرحلة حينما تنتهي الحياة.

وأضاء الفيلم الألماني القصير «لا وداع»، الذي أخرجه لودو فيتشي سنة 2015، على التناقض الجوهري بين الشهرة والعزلة، واستعرض قصة نجمة تضيء المسرح ببريق أدائها الفني، لكنها في الحقيقة تبحث عن ملجأ خلف قناع المكياج، وقولبة الواقع وفق رغبتها، لفرض الجمال والبهجة على حياة قد تكون مملوءة بالفراغ أو الخسارة.

يبدأ الفيلم، الذي قام ببطولته ساندرا ستيفل وتوماس بيترز، بداية نمطية، لكنَّ اللحظة الفارقة خلال الـ14 دقيقة التي تستغرقها مدته هي عندما يظهر للنجمة شخص غريب يدعوها إلى العودة إلى حقيقتها، حينها يتشكل الموقف المحوري الذي ينهار عنده كل شيء.

تسعى المخرجة صوفيا الخياري، خلال 6 دقائق من فيلمها «الجسد المسامي»، الذي أُنتج عام 2018، إلى تصوير رحلة اكتشاف الذات والاتصال بالجسد، والانفصال عن العالم الخارجي، وتوظف تقنية الرسوم المتحركة لتسرد قصة شابة تعيش في أفكارها، وتعود إلى البحر لتغوص تحت جلدها وتخترق غلافها النفسي.

ويقدم العمل الفني مادة بصرية وفكرية عميقة تستحق الغوص في تحليلها الأدبي، عازفاً على وتر الانفصال الوجودي واستكشاف حالة الوعي المعاصر، حيث يصبح الجسد مجرد غلاف يحيط بفوضى الذات، وتبدأ الرحلة بمشهد أيقوني: وجه امرأة غارق في الماء الأزرق الداكن، ولكن سرعان ما يظهر أن هذا اللون ليس مجرد خلفية؛ إنه رمز للبحر.

ونسج الفيلم الكوري الجنوبي «التكرار من أجل الحب» خيطاً رفيعاً بين الذات المبدعة والذاكرة المنسية، وقدم إطاراً سردياً لامس أزلية البحث عن الإلهام والمعنى، حيث دارت أحداثه حول قصة شاعرة لا تستطيع إنهاء قصيدتها تتبع امرأة غامضة إلى فضاء غريب.

وخلال 15 دقيقة، عرض المخرج كيونجروك كيم، في فيلمه القصير الذي أنتج عام 2025، قصصاً مألوفة ولكنها غير معروفة، تتكرر معها الذكريات والعواطف العالقة التي تعود حتى عندما تُنسى، لينكشف أن العمل لا يقدم مجرد قصة عابرة، بل رحلة وجودية معضلة غايتها البحث عن الأثر.