مع انتهاء الموسم الرمضاني 2026، يمكن قراءة عودة عدد من الفنانين إلى الدراما السورية كواحدة من أبرز تحولات المشهد هذا العام. فهذه السنة، شهدت عودة عدد من الفنانين الذين غابوا لسنوات طويلة، غياب لم يكن فنياً بقدر ما كان سياسياً؛ إذ أُقصي كثيرون منهم نتيجة مواقفهم السياسية منذ عام 2011، فيما اختار آخرون الاغتراب والهروب من المشهد الفني حين صار أكثر التباساً. ومع عودة بعض هذه الأسماء إلى المشهد، بدت الدراما السورية وكأنها تستعيد شيئاً من تنوعها وحيويتها، وتفتح صفحة طال انتظارها.

 

فارس الحلو: عودة بنكهة التحدي

لعل أبرز العائدين هذا الموسم، كان الفنان فارس الحلو، الذي غاب عن الدراما منذ إعلان مواقفه المعارضة للنظام السوري عام 2011. وخلال 15 سنة، لم يظهر فارس الحلو سوى في مسلسل “وجوه وأماكن”، الذي جمع عدداً من الممثلين المعارضين خارج سوريا عام 2015. 

وفي هذا الموسم، عاد فارس الحلو إلى الشاشة السورية عبر مسلسل “مولانا”، حيث أدى دور البطولة المضادة أمام النجم تيم حسن. ومنذ الحلقات الأولى، بدا واضحاً أن سنوات الغياب لم تمسّ قدرته ولا حضوره؛ بل على العكس، ظهر بأداء متماسك وبطاقة تمثيلية تؤكد مكانته كأحد نجوم الصف الأول. 

 

محمد أوسو: عودة “ابن الشارع” إلى شاشته

 لم تكن عودة الممثل والكاتب محمد أوسو هذا الموسم أقل تأثيراً، فهو نجم الكوميديا الذي يُعد من أكثر الفنانين قرباً من المزاج الشعبي السوري، وقد ظل حاضراً في ذاكرة الجمهور رغم سنوات الغياب الطويلة. في مواقع التواصل الاجتماعي، لم يتوقف محبوه عن إعادة نشر مقاطع من أعماله الأشهر مثل “بكرا أحلى” و”كسر الخواطر” طوال فترة غيابه؛ فالجمهور ارتبط عاطفياً بشخصياته خفيفة الظل رغم أن سنوات نشاطه الفني في سوريا قليلة ولم يقدم سوى ثلاثة مسلسلات في السنوات الأخيرة السابقة للثورة. وعبر السنوات، بدا أن ارتباط الجمهور بمحمد أوسو هو ارتباط بخط درامي فقد بالدراما السورية: الكوميديا البسيطة غير المتكلفة، التي تلتقط نبض الشارع السوري. 

الفنان محمد أوسو (سوشيال ميديا)

محمد أوسو تعرّض للاعتقال عام 2012 على خلفية تواصله مع ناشطين معارضين، ليُستبعد بعدها من صناعة الدراما السورية بشكل شبه كامل. وبعد الإفراج عنه، غادر البلاد ليستقر لاحقاً في الولايات المتحدة، حيث بدأ فصلاً جديداً من حياته المهنية.

في عام 2019 أطلق قناته الخاصة في “يوتيوب”، محاولاً كسر العزلة الفنية التي فُرضت عليه. عبر تلك المنصة، تواصل مع جمهوره مباشرة، واستعاد معهم ذكريات أعماله، كاشفاً كواليسها وتفاصيلها. ومع تزايد مطالبات المتابعين له قام بتقديم مسلسل واحد من خارج سوريا، “الأعدقاء”، المؤلف من خمس حلقات، والذي لم يحقق صدى موازٍ لأعماله السابقة، إذ بدا تائهًا خارج الشارع السوري. 

الفنان محمد أوسو في مسلسل “بنت النعمان” (سوشيال ميديا)

هذا الموسم، عاد محمد أوسو إلى الدراما السورية بمسلسل “بنت النعمان”، الذي صور كأعماله الثلاث الأولى، في أحياء دمشق الشعبية. ورغم سنوات الاغتراب، لم يبدُ أوسو بعيداً عن لغة الناس ولا عن مفرداتهم اليومية؛ بل بدا وكأنه احتفظ بتلك الذاكرة حية، ليقدّم نصاً من تأليفه يحمل ذات البساطة التي أحبها الجمهور فيه.

عودة أوسو لا تبدو مجرد مشاركة في عمل رمضاني، بل استعادة لصوت كان حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للسوريين. فبين الغياب القسري والمنصات البديلة، ثم العودة إلى التصوير في شوارع دمشق، تتشكل حكاية فنان حافظ على صلته بالشارع السوري، حتى حين ابتعد جغرافياً عنه

 

تاج حيدر: الغياب الصامت والعودة الواثقة

 بعكس بعض الأسماء التي ارتبط غيابها بمواقف سياسية معلنة، بقيت أسباب ابتعاد الفنانة تاج حيدر عن الدراما السورية طيّ الكتمان. لم تصرّح يوماً بموقف سياسي واضح، ولم تتحدث عن خلفيات غيابها، واختارت الصمت كخيار شخصي ومهني في آنٍ معاً.

كان آخر ظهور لها في الدراما السورية ضمن مسلسل البيئة الشامية “طوق البنات” عام 2017، علماً أنها لم تشارك بأي أعمال اجتماعية مسيسة في السنوات التالية للثورة. 

وبعد تسع سنوات، عادت تاج حيدر في مسلسل “أنا وهي وهيا”، لتلعب دور البطولة أمام النجم باسل خياط، في عمل يشكّل محطة مفصلية في مسيرتها. ومنذ المشاهد الأولى، بدت عودتها كأنها لم تنقطع يوماً. حضور هادئ، أداء سلس وبساطة بالأداء أعادت بها تعريف صورتها لدى الجمهور. 

اللافت أن تاج حيدر، التي عرفها المشاهد في بداياتها بأدوار الفتاة المراهقة الأقل خبرة، تعود اليوم بنضج واضح وثقة أكبر في أدواتها. خبرة السنوات، حتى في الغياب، انعكست على أدائها، فباتت أكثر تمكناً في إدارة انفعالاتها، وأكثر وعياً لحضورها أمام الكاميرا، لتثبت تاج حيدر اليوم أنها تستحق مكانها بين نجمات الصف الأول. 

 

لينا دياب: عودة مفاجئة

كانت لينا دياب واحدة من أبرز الوجوه الشابة التي لمع اسمها في بداية العقد الماضي، قبل أن تختفي بشكل شبه كامل عن الدراما السورية عقب مشاركتها في مسلسل “الأخوة” عام 2015. غيابٌ طويل جعل اسمها يكاد يُنسى، لأن فترة حضورها كانت قصيرة وتزامنت مع اندلاع الثورة السورية، بالإضافة إلى تسارع ظهور وجوه جديدة خلال السنوات اللاحقة.

لكن هذا الموسم شهد عودة قوية ومكثفة لها، عبر مشاركتها في ثلاثة أعمال دفعة واحدة: “عائلة الملك”، “مولانا” و”اليتيم”. ورغم هذا الغياب الطويل، استطاعت دياب أن تعيد تثبيت حضورها بسرعة لافتة، مقدّمة أداءً يؤكد أنها ممثلة تمتلك أدوات واضحة وكاريزما خاصة. حضورها لم يبدُ كعودة عابرة، بل كمحاولة جدية لاستعادة موقعها ضمن جيلها، وربما زحف سريع إلى موقع نجوم الصف الأول.

لينا دياب في مشهد من مسلسل “مولانا” (سوشيال ميديا)

سلافة عويشق: من محاولة المحو إلى عودة مستحقة

تُعدّ عودة سلافة عويشق هذا الموسم من أكثر اللحظات رمزية في سياق عودة الفنانين المغيّبين. فقد غادرت سوريا إلى فرنسا بعد التهديدات التي طاولتها وطاولت عائلتها بسبب مواقف زوجها فارس الحلو المعارضة للنظام، وكان آخر ظهور لها في الدراما السورية عام 2012 في مسلسل “بيت عامر”. لم يقتصر تغييبها على استبعادها من الإنتاج الدرامي، بل امتد إلى حذف مشاهد شخصيتها “الست جاكلين” من مسلسل “هومي هون” عند إعادة عرضه على القنوات السورية في عهد الأسد؛ وهي خطوة أثارت حينها غضب الجمهور الذي أعاد تداول مقاطعها بكثافة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

سلافة عويشق تشارك في مسلسل “مولانا” (سوشيال ميديا)

وفي هذا الموسم عادت عويشق عبر عملين: “مولانا” و”بنت النعمان”. ورغم بساطة أدوارها، شكّل ظهورها فرحة واضحة لدى جمهورها، لأن عودتها تتجاوز مساحة الدور إلى رمزية الحضور نفسه. إنها عودة فنانة لم تُنسَ، رغم غيابها طويلاً عن الشاشة.

جهاد عبدو: من هوليوود إلى المقعد الأخير

 مع بداية الثورة السورية، غادر الفنان جهاد عبدو البلاد بعد تعرضه لتهديدات على خلفية تصريحات أدلى بها لمجلة “تايم” حول الأوضاع في سوريا. وكان آخر ظهور له في الدراما السورية عام 2013 عبر مسلسل “في قلب اللهب”، قبل أن يتجه إلى الولايات المتحدة بحثاً عن أفق جديد. وهناك واجه عبدو تحديات مادية صعبة، لكنه أصر على متابعة مسيرته الفنية، ولم يكتفِ بالبقاء على الهامش، بل طرق أبواب صناعة السينما العالمية إلى أن سنحت له فرصة لافتة بالظهور في فيلم “ملكة الصحراء” إلى جانب نيكول كيدمان، لتتوالى بعدها مشاركاته في أعمال عالمية، ويصبح واحداً من الوجوه السورية القليلة التي تمكنت من دخول هوليوود.

هذا الموسم، عاد عبدو إلى الدراما السورية عبر مسلسل “المقعد الأخير”. ورغم أدائه المتقن وحضوره الواضح، إلا أن العمل نفسه لم يحقق صدى جماهيرياً كبيراً، ما جعل عودته أقل تأثيراً مما كان متوقعاً.

الفنانات جهاد عبدو ويارا صبري شاركا في مسلسل “المقعد الأخير” (سوشيال ميديا)

يارا صبري: من المنفى إلى الضوء

اختارت يارا صبري المنفى في كندا بعد تعرضها لتهديدات إثر توقيعها مع عدد من الفنانين على “بيان الحليب”، الذي دعا عام 2011 إلى كسر الحصار المفروض آنذاك على أهالي درعا. وكان آخر ظهور لها في الدراما السورية عبر مسلسل “جلسات نسائية” في العام نفسه، قبل أن تدخل في مرحلة غياب طويلة عن الإنتاج المحلي. وخلال سنوات نفيها، لم تنقطع صلتها بالفن كلياً، إذ أطلت في أعمال مشتركة أخرجها الراحل حاتم علي، هما “سمرقند” و”أوركيديا”. لكن بعد رحيله، تراجع حضورها مجدداً إلى أن عادت عام 2024 عبر الدراما التركية المعربة في مسلسل “العميل”، حيث قدمت دوراً محدود المساحة لكنه محوري في السياق الدرامي.

هذا الموسم شهد عودتها الأولى إلى الدراما السورية المحلية بعد غياب طويل، عبر مسلسل “المقعد الأخير”، كما شهد مشاركتها بالمسلسل اللبناني-السوري المشترك “لوبي الغرام”. كل مسلسل ينتمي لجمهور مختلف، فالأول اجتماعي عن حكايات المراهقين، يُشبه نصًا مسلسلات كانت تلعب أدوار البطولة فيها قبل مغادرة سوريا، بينما “لوبي الغرام” فهو لايت كوميدي.