«حمودة الزاهي» وتوابعها.. بين جدلية الفلسفة ولغة المسرح

طرابلس – بوابة الوسط الجمعة 27 مارس 2026, 02:09 مساء

إذا كانت نصوص رضوان أبوشويشة في مؤلفاته «ملك الموت ـ موجة حب إلى غرناطة ـ عند باب البحر ـ الشعب الخفي ـ ونصوص درامية من التاريخ الليبي»، التي تمثلت في سيناريو «خود»، ومسرحية «حمودة الزاهي»، تبحث في معنى علاقة الإنسان بالمكان، نرى في تجربته التشكيلية محاولة للإجابة عن جوهر ذلك التواصل كما في لوحات ليبيا ما بعد النفط، المجسدة في براميل فارغة ورمل وبقايا إطارات، أو نسيجا لونيا يحاكي مرموزا تراثيا، هو سفر إلى حيث منابته الأثيرة في جداريات أكاكوس سر الحضارة الليبية في مهدها الأول، الزلزال المعرفي الذي قاده لرسم تصور إطلالة مكافئة لتفسير حالة الهشاشة.

BCD Ad BCD Ad

في مسرحية أبوشويشة «حمودة الزاهي» المكان يخلو من الإكسسوارت والديكور والملابس التي لا تتعدى ثيابا بسيطة، أشبه بأسمال لأبطاله «الزاهي، رضا، صالح، فاطمة» ربما للوصول بالمناخات الصوفية لأقصى حد ممكن، وفتح قوس نفسي للتأمل ينعكس في إيماءات جسدية وكذا نقلات محدودة للشخوص، وسط بيت ينتمي طرازه للقرن التاسع عشر بمنطقة الكدوة (العزيزية)

خلف التهويمات يختفي وميض ما يفصح عن نفسه في شكل اعتراف، يقول إن الزاهي هو الجزء الثاني من رضا أو أن رضا هو الزاهي في صورته الأولى الباحثة عن الحقيقة، تداخل الأزمان وامتدادها، زمن الحكاية وسالف ما حدث، تقترن بها رموز وومضات تحيلك موسيقى كلماتها إلى تجليات الحلاج، فتوحات ابن عربي، وأقوال الشيخ الأسمر، كروافد تستند عليها رؤية الزاهي:
رضا / أنا إنسان عاقل .
الزاهي / أنت سطل بلا قعر (توقف) لو انسابت إليك أنها الأرض غير قادرة على الاحتفاظ بشيء (صمت) العقل دائما يميل إلى التطرف .. إما هذا، وإما ذاك (صمت).

يوجا جماعية للاستذكار
تدخل المجموعة فيما يشبه (يوجا) جماعية للاستذكار مهدت لها أوراق رضا الممزقة المتناثرة في زوايا البيت وتحوي في ثناياها «أسطورة خطيئة ابن السلطان غادية، وعلى الرغم من أن كل المسالك ترجعنا إلى سلم الخطايا، لكن البصيرة تحاول إقامة نموذجها المبعثر في أودية العصر المطير، حيث تقرأ فاطمة إحدى لوحاته على ورقة التوت، ما دون على جدار الأسلاف لعشرة آلاف عام من الحضارة الليبية في جبال أكاكوس، وكيف تصدعت جدرانها بغياب البصيرة، عندما سيطرت شهوة السلطة على مخيلة ابن السلطان، ودفعته إلى محاولة تملك غزالة البحر بالقوة، لتكون إحدى نساء قصره، لكنها تبخرت منسحبة للماء وسحبت وراءها خط المطر لتلحق بالبلاد لعنة الخطيئة ويجتاحها الجفاف، غابت البصيرة عندما ارتفع صوت الأنا متوشحة بالتوحش.

*الزاهي في قلب المسرح
في مسرحية «الزاهية ـ بعض من مسرحية حمودة الزاهي» التي أعدها نوري عبدالدائم عن مسرحية «حمودة الزاهي» للكاتب رضوان أبوشويشة، وهو أمر شائع في تطويع بعض المسرحيات والروايات والقصص للمسرح، أو إعادة إنتاج بعض الأعمال المسرحية برؤى مغايرة، حسب قراءة الكاتب أو المعد، فالشواهد المرجعية كثيرة، فقد أعاد الكاتب المسرحي الألماني والمنظر المسرحي برتولد بريخت، إنتاج مسرحية «كوريولان» للكاتب الإنجليزي «وليم شكسبير»، وأخضعها لمنهجه المسرحي ورؤاه وقناعاته، كما أعاد كل من الكاتب أندريه جيد، والممثل والمخرج المسرحي الفرنسي جان لويس بارو إنتاج رواية كافكا «المحاكمة» تحت مسمى «القضية».

قام الكاتب المسرحي البوصيري عبدالله بإعادة إنتاج وتناول مسرحية «أوريست» للكاتب الإغريقي يوربيدس بقراءة مغايرة تحت اسم «أوريست يعود إلى المنفى»، وعن قصة الصادق النيهوم «عن مراكب السلطان» أعد الكاتب منصور بوشناف مسرحية «جالو» التي أخرجها الراحل محمد العلاقي ..والشواهد كثيرة ..

في مقابل نص رضوان المحمل بشحنة فلسفية وطقوس صوفية، عمل نوري عبدالدائم في مسرحيته «الزاهية» على تحرير تلك الكثافة إلى نص يمكن إخراجه عمليا على المسرح، يجري ذلك بالانتقال من الكثافة إلى الخفة، أي الإبحار من الشكل الأدبي إلى صيغة حركية تخضغ لشروط العمل الفني بعد أن خلعت عنها عباءة الكتابة وتحضر فيها الموسيقى والأهازيج وحركة الأطراف ولغة الجسد بحسب الضرورة.

تطلبت الرؤية المسرحية في النص الحالي عملية إضافة وتبادل أدوار مع النص الرضواني حيث يغيب صالح ويتحد رضا مع شحصية الكاتب مع إضافة الراوي والراقص والعازف لسحب ظلال الطقس الوعظي لخدمة الجانب البصري وبث الحركة على المشهد وإدخال العمل في صلب عناصر الفرجة.

داخل العدد 540: حرب إيران تطال ليبيا.. وتداعيات أزمة الطماطم

نرى شخصية الزاهي هنا متحررة من قيود التحفظ والغموض والاتكاء على الرمزيات كما لو أن دورها في النص الأول تركته للراوي في النص الجديد ويكون مع فاطمة توليفة تنحاز إلى لغة الواقع، لغة ليست نخبوية مزيج بين العامية والفصحى البسيطة تناسب طبيعة الجمهور وتباين مستوياته التعليمية، كما أنها تعكس هوية البيئة الليبية، أي تلييب النص بعد أن تخفف من أثقال الحمولة الأدبية.

تعمل اللوحات والأغاني الفلكلورية على خلق تناغم بين الفكرة واللهجة والشخوص إضافة للراقص الذي يعمل كتعبير جسدي عن كيمياء الحالة المبثوثة بين الممثلين، كما تتعزز زمنية الحدث وطابعه التاريخي عبر الزكرة والطبيلة وأغاني الحصاد والمدائح والكشك والتي تعكس أيضا صورة المكان على الخشبة ونقله في هذه الإضافة من حيز البيت العتيق في نص أبوشويشة إلى الفضاء الجغرافي الليبي بشكله العام.

ويشترك النصان في المادة التوثيقية عن الحضارة الليبية المسرودة على لسان الشخوص لكن الفارق أن سردية أبوشويشة كانت بخلفية رثائية داخل بيت الكدوة يغلب عليها طابع التأمل، بينما نص عبدالدائم الممسرح جعل السرد يخرج من الخلفية التنظيرية الرثائية إلى رؤية تترجم الروح الركحية بدل أن يظل مشدودا إلى قالب الإحالات الفلسفية، ربما نلحظ ذلك في جملة فاطمة كشخصية مسرحية وهي تواجه الكاتب كشخصية ظلية تحتمي بالإحالات
في هذا النص نرى (حمودة الزاهي) وقد تخلص كثيرا من أسمال الحبر الكثيفة محتضنا أضواء الركح، تاركا إياها لسجانه (الكاتب)، مطلا على الجمهور يناقش ويتساءل، يكتشف ذاته البشرية عبر الخشبة ويتفاعل مع الحياة دون مكياج وبلا مواربة.

أقصى درجات الاعتراف
اعتمد المعد البساطة ويتكئ علي حوار يمزج التقريع واللوم والرثاء بين أبطاله (الكاتب رضا، الزاهي، الراوي، فاطمة) ربما للوصول بالجدل لأقصى درجات الاعتراف طلبا للتطهر من الخطايا، وفتح قوس نفسي للتأمل ينعكس في إيماءات جسدية، وكذا نقلات محدودة للشخوص، وسط بيت ينتمي طرازه للقرن التاسع عشر بمنطقة الكدوة (العزيزية).

المسرحية توثق المواجهة بين الرؤيا المتصورة وصيرورة الواقع، بين (الكاتب) ووهم سلطته المتخيلة:
الكاتب / (بيده كتاب وقلم محاولا إرجاع شخصياته التي هربت من نصه) ما زال النص مكملش وين هاربين .. أنتم خيال من خيالي .. سأعيد كتابة النص …
الزاهي / توقف … ياااااااسرك .. غادرنا خيالك الأجرد ..
الكاتب / ولكن النص لم يكتمل، وشخصياتكم مكملتش ..
كما أن شغف المعرفة رسم فارقا جوهريا بين التجربة المباشرة أو البقاء عند عتبة الاستنتاجات الظنية. وفي المجمل فصراع شخصية الكاتب مع شخوصه يصلنا بجسر فلسفي صوفي تحت مظلة الراوي وقوده المراجعة للخروج بتوصيف للتشوه الحاصل وهو أس الفكرة في الموضوع.

الحدث يتمنع الإفصاح عن زمنيته إذ لا تبدو الحكمة معنية بالآنية، بل بتمظهراتها المذهلة، فتنكمش احتياجات المشهد إلى أدنى ضروراتها الفيزيائية، كالتفاتة أو تهويمة في الفراغ، لصالح هسيس روحي يطوف الجميع تعبر عنه معزوفة فلكلورية، شحنة من التعابير تبدأ بأحدهم لينتهي عند الآخر، لذا ليس غريبا أن تأتي التعليقات مكملة لبعضها البعض خصوصا خلال الإبحار في تاريخ ليبيا السحيق.

تنتج الردود بين الزاهي وفاطمة والكاتب أيضا نسيجا معرفيا ونفسيا من الإحالات المستندة على الإدراك والإحاطة بخصوصية وأهمية الجغرافيا الليبية التي لا تعني ثرواتها الفيزيائية الدفينة بل روح هويتها الممدة بين الصحراء والبحر، في الشمال حيث انسحبت عروس البحر من ابن السلطان غادية، وجنوبا عندما رسمت ولا زالت رياح القبلي على وجه الرمال وفي جيد الجبال قصائد البقاء. هناك حيث وضعت سلطة الكاتب الزاهي ليكون شاهدا في أكاكوس:
الزاهي / أنا الزاهي .. قذف بي هذا الكاتب هناك، في أكاكوس وشاهدت تقلًص البحيرات والأنهار، وهجرة الفيلة وأفراس النهر، طلباً لمراعي أفضل حين خلعت البلاد رداءها الأخضر وتدثرت بالكساء الرملي ..

المسرحية تجسد صورة مقطعية لليبيا عبر العصور، وتضع أسئلة في مناطق فراغ منعطفاتها التاريخية، أبرزها لماذا تلاحقنا لعنة الجفاف، الجفاف كمرموز بإحالاته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هو المدان في سردية العطش؟ أسئلة ظلت مرحلة و كلفنا تجاهل الإجابة عنها:
فاطمة والزاهي / ونحن الآن هنا في ليبيا .. حجبنا عن تاريخنا … تلاحقنا تدخلات الخارج ، ولعنة النفط الخام .. وسيعاني وطننا من صدمات ما بعد النفط.
الراوي والراوية / ربما لا .. لو عملنا على … (يغطي على جملتهما صوت رعد وأمطار، مزجت مع صوت دفوف)
الكاتب / ربما لا ..لو عملنا على … (تتلاشى بقية الجملة حيث يعلو صوت رعد وأمطار، مزجت مع صوت دفوف).

«حمودة الزاهي» وتوابعها.. بين جدلية الفلسفة ولغة المسرح