حذر تقرير حديث نشرته رويترز من أن مصر من بين الدول الأكثر عرضة لمخاطر اقتصادية شديدة جراء حرب إيران، خاصة مع موجة ارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية الأساسية.
وقد تضاعفت فاتورة واردات الطاقة في مصر إلى أكثر من مثليها منذ اندلاع الحرب، بينما قررت الحكومة إغلاق المحال التجارية بحلول التاسعة مساء خمسة أيام في الأسبوع لخفض استهلاك الطاقة ووقف بعض بنود الإنفاق.
ويرى تيموثي قلدس، نائب مدير “معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط” في الولايات المتحدة، أن تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار منذ اندلاع الحرب “يعكس مدى تعرض الاقتصاد المصري للصدمات”.
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن “هذه المشكلة تتقاطع أيضا مع توقف إنتاج الغاز في إسرائيل الذي كان المصدر الرئيسي لواردات مصر من الغاز، حيث قد تضطر مصر لشراء الغاز بأسعار السوق الفورية المرتفعة للغاية. سوف يزيد هذا الأمر الضغط على عجز الحساب الجاري ويتطلب تمويلا خارجيا إضافيا أو استنزافا لاحتياطيات الدولار”.
وأشار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى أن فاتورة واردات الطاقة ارتفعت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب، مؤكدا على الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للدولة وسط ارتفاع أسعار الوقود عالميا.
ورفعت مصر أسعار مجموعة كبيرة من المنتجات البترولية في محاولة لتخفيف العبء عن الموازنة، التي تأثرت بالفعل بصدمة الصراع الذي عطل إنتاج النفط في الشرق الأوسط مع إغلاق إيران لمضيق هرمز الحيوي.
تضاعفت فاتورة واردات الطاقة في مصر إلى أكثر من مثليها منذ اندلاع حرب إيرانصورة من: Fareed Kotb/Anadolu/picture alliance
الأموال الساخنة وتحويلات المصريين
وتعاني مصر من ارتفاع كبير في حجم الديون، إذ تستحوذ مدفوعات الفوائد وحدها على ما يقرب من نصف الإنفاق الحكومي خلال السنة المالية الحالية.
كما أشار تقرير حديث صادر عن معهد التمويل الدولي إلى أن ارتفاع تكلفة النفط قد يؤدي إلى زيادة في الإنفاق تتراوح بين 0.2% و 0.55% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد المصري يحاول التعافي من صدمات متتالية.
وقال عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن التأثير المباشر للحرب تمثل في “خروج الأموال الساخنة، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ عدد من الإجراءات، أبرزها رفع أسعار الطاقة المحلية” لتجنب توسيع عجز الموازنة.
وتعتمد مصر على الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل في أذون الخزانة بالجنيه المصري المعروفة باسم “الأموال الساخنة” لسد العجز الكبير في الميزانية وتوفير الدولارات اللازمة لتمويل واردات أساسية مثل الغاز و القمح.
وأضاف عدلي في مقابلة مع DW عربية أن “آثار الصراع قد تكون أعمق خاصة فيما يتعلق بتحويلات العاملين المصريين في الخليج، لا سيما السعودية، والتي تُعد من أهم- إن لم تكن أهم- مصادر العملة الصعبة”.
وقد ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى مستوى قياسي بلغ أربعة مليارات دولار في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ليصل إجماليها في 2025 إلى 41.5 مليار دولار، مقارنة بـ 29.6 مليار في 2024.
قناة السويس وقيمة الجنيه
وذكر صندوق النقد الدولي أن مصر نجحت حتى الآن في “احتواء” التداعيات الاقتصادية للحرب نسبيا.
ورغم ذلك، حذر تيموثي قلدس من أن الضغط الاقتصادي على مصر “مرشح للتفاقم” نتيجة إعادة تعليق حركة المرور في قناة السويس إلى حد كبير، مضيفا “تتراجع إيرادات الدولار في الوقت الذي ترتفع فيه التدفقات الخارجة ومع ارتفاع تكلفة الواردات وتراجع قيمة العملة، تصبح تكلفة تلك الواردات أكبر بالجنيه المصري”.
وأضاف أنه “في كل الأحوال، إذا استمر تراجع قيمة الجنيه، فستزداد تكلفة استيراد الغذاء، ما سيؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية على السكان، سواء ارتفعت الأسعار العالمية بالدولار أم لا”.
وقد شهد الجنيه المصري تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
من جانبه، قال عمرو عدلي، الأستاذ المساعد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن إيرادات قناة السويس التي تعد مصدرا حيويا للعملة الصعبة، قد تتأثر إذا امتد التوتر العسكري إلى مضيق باب المندب كما حدث سابقا.
وكانت وكالة تسنيم الإيرانية قد نقلت عن مصدر عسكري قوله إن طهران قد تفتح جبهة جديدة في مضيق باب المندب إذا ما تعرضت لهجمات على أراضيها.
قال عمرو عدلي إن إيرادات قناة السويس تعد مصدرا حيويا للعملة الصعبة وقد تتأثر إذا امتد التوتر العسكري إلى مضيق باب المندب.صورة من: Ahmed Gomaa/Xinhua/picture alliance
لماذا مصر؟
تبدو تبعات الحرب كبيرة بشكل استثنائي على مصر، وهي دولة يبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة وتعتبرها قوى غربية محورا رئيسيا للاستقرار الإقليمي. فقد أدت الاضطرابات التي شهدتها البلاد سابقا إلى تأثيرات متسلسلة على تدفقات الهجرة والتجارة عبر قناة السويس، والأمن على الحدود مع غزة.
وفي محاولة للحد من آثار الارتفاع المتوقع في التضخم بسبب الحرب، فرضت مصر حدا أقصى لأسعار الخبز غير المدعم في المخابز الخاصة. ويُعد الخبز غذاء أساسيا في مصر، مما يجعل أي زيادة في سعره مسألة شديدة الحساسية سياسيا واجتماعيا.
كما أكد عمرو عدلي أنه “في ظل اعتماد مصر الكبير على اقتصادات الخليجالغنية بالنفط سواء فيما يتعلق بتحويلات العاملين أو الصادرات أو الاستثمارات المباشرة أو حتى القروض والمنح، فإن أي تأثير طويل الأمد على الخليج ستكون له انعكاسات سلبية واسعة على الاقتصاد المصري”.
وأشار إلى أن “كون مصر مستوردا صافيا للغذاء والوقود يجعل أي صدمة سعرية في المواد الأولية ذات تأثير مباشر على التضخم المحلي فضلا عن اعتماد مصر المتزايد خلال العقد الأخير على تمويل العجز الخارجي من خلال الاقتراض قصير الأجل من ناحية وزيادة ارتباطها ببرامج وشروط صندوق النقد الدولي من ناحية أخرى”.
هل كان يمكن تفادي ذلك؟
وينسجم هذا مع ما ذكره تقرير رويترز بشأن تفاقم الضغوط على الأوضاع المالية في مصر نتيجة الحرب، سواء عبر ارتفاع تكاليف الطاقة أو تعطل الصادرات.
ويرى تيموثي قلدس أن الحكومات المصرية المتعاقبة كان ينبغي لها اتخاذ إجراءات تضمن حماية أفضل لشرائح واسعة من المواطنين من آثار مثل هذه الصدمات.
وقال في حديثه إلى DW عربية إنه “لو كانت مصر استثمرت بشكل أكبر في الطاقة المتجددة وقللت اعتمادها على الغاز منذ أكثر من عقد، عند بدء التوسع في إنتاج الكهرباء، لكانت النتيجة الأولى هي استمرار قدرة البلاد على تصدير الغاز بدلاً من استيراده”.
وأضاف أن “النتيجة الثانية لكانت تحقيق عائدات بدلا من دفع تكاليف مرتفعة لتلبية الاحتياجات، إلا أن الاعتماد على استيراد الغاز جعل مصر أكثر عرضة لتقلبات الأسعار”.
تحرير: عادل الشروعات
