لا تستطيع أن تفصل الشريط السينمائى الذى سمح بعرضه مساء الأربعاء الماضى بتصنيف عمرى (+18)، عما حدث قبلها بأسبوع عندما تمت المصادرة بعد ساعتين من التصريح، بتصنيف عمرى (+16)، وبتوقيع فى المرتين من الرقيب الكاتب الكبير عبدالرحيم كمال.

الحجة المعلنة أن منتج الفيلم أحمد السبكى لم يلتزم بالتعليمات، وهو بيان لو صح يدين أولًا الرقابة.

أفرض مثلًا، مثلًا يعنى، أن المنتج ارتكب تلك المخالفة التى تصل لمرتبة الحماقة؟ وأكمل معى سلسلة الافتراضات، صاحب دار العرض لم يتأكد من صورة ختم النسر على الأوراق الرسمية التى تتيح تداول النسخة، فى هذه الحالة سيواجه الجميع على الفور عقوبة السجن، ويتم إغلاق دار العرض، السيناريو المنطقى لتلك الواقعة، أن هناك من رأى -خارج الرقابة الرسمية على المصنفات الفنية- أن هناك تجاوزًا فى بعض اللقطات، ولم يجدوا أمامهم سوى سلاح المصادرة، وكان ينبغى حتى تكتمل الصورة، إصدار هذا البيان الرقابى الهزيل، الذى يدرك الجميع أنه مجرد تبرير مكتوب على عجالة لحفظ ماء الوجه.

أُلقيت الكرة فى ملعب وزيرة الثقافة، لتجد مخرجًا قانونيًا عن طريق إعادة إحياء «لجنة التظلمات»، وتعرض بعد حذف 8 دقائق من الشريط الذى سمح فى البداية بتداوله.

وحتى لا تختلط الأوراق عظيم جدًا أن تعود لجنة التظلمات، بعد سنوات تجميد زادت عن عشرة، وهو قرار يحسب لصالح الوزيرة د. جيهان زكى، اللجنة منوط بها أن تلعب دور القاضى فى حالة إصدار قرار بمنع تداول مصنف فنى، يرى صُناعه أن القرار متعسف، يرأس اللجنة نائب رئيس مجلس الدولة، ويشارك فيها ممثل لنقابة السينمائيين وأكاديمية الفنون، وهيئة الاستعلامات والمجلس الأعلى للثقافة، أتمنى أن تشاهد اللجنة أفلامًا أخرى تم تصويرها، واعترض الرقيب السابق على تداولها ولا تزال ممنوعة من العرض مثل فيلم «التاريخ السرى لكوثر» إخراج محمد أمين، كما أن هناك عشرات من السيناريوهات الممنوعة من التصوير، بحجة أن الرقيب وقتها يرى أنها تجاوزت الخطوط الحمراء، وهو تعبير مطاط، بالإضافة إلى أنه قابل للتغيير، وتلك تستحق وقفة أخرى.

نضع الآن نقطة ومن أول السطر، نعود فى تلك المساحة المتبقية عند «سفاح التجمع».

تم السماح بالعرض بعد الحذف، ولكنك لو تأملت قرار الموافقة، ستلمح أن هناك عيونًا ترصد الفن برؤية أخلاقية صارمة ومباشرة وتحاكم الشريط السينمائى بقانون الواقع، وهو ما يصيب الإبداع فى مقتل.

إطلالة لجنة التظلمات تتضمن الكثير من تلك الملاحظات، التى تتكئ فى التقييم على تحطيم الخط الفاصل بين الشاشة والحياة، وهو ما يمكن أن تجد له تنويعات فى تلك اللجان الدرامية المتعددة التى تابعناها بوفرة فى شهر رمضان الماضى، التى دأبت على تحطيم الخط الفاصل بين قانون الدراما وقانون الحياة، رغم أن أعضاءها يدركون خطورة استخدام هذا السلاح. لم أرَ الفيلم قبل الحذف، ولكن هناك 8 دقائق تم حذفها، وطبقًا لتقرير لجنة التظلمات وبمراجعة تفاصيل قرار العرض، تكتشف أن التوجس من كل شيء كان هو سيد الموقف.

الكاتب صلاح محمد العزب يقدم أول تجربة له كمخرج، وسبق له أن كتب العديد من الأعمال التى تقترب من هذا البناء مثل مسلسل «سفاح الجيزة» إخراج هادى الباجورى الذى عرض قبل نحو عامين بطولة أحمد فهمى، هذه المرة قرر أن يقدم «سفاح التجمع» طبقًا لرؤيته، يجب أن أذكر أنه كمخرج يتمتع بعين صائبة فى تسكين الأدوار، وأولهم أحمد الفيشاوى، لا أتصور أنه هناك من هو أفضل منه فى التماهى مع الشخصية، لتصل بنا إلى تصديقها، وأحمد الفيشاوى وصل بها إلى أعلى درجة فى فن الأداء، ينتقل بقدرة استثنائية من ارتداء قناع البراءة والطفولة لنراه أمامنا شيطانًا رجيمًا، كما أن المخرج قدم عددًا من الممثلين فى أدوار بحالة من الألق الفنى مثل مريم الجندى وجيسكا صلاح الدين وفاتن سعيد وسينتيا خليفة وآية سليم.

السفاح شخصية مريضة يتلذذ بتعذيب ضحاياه ويمارس معهم الجنس بعد قتلهم، وهو مرض عقلى، اسمه العلمى «نيكروفيليا»، سبق وأن شاهدت بعض الأفلام تناولت هذا المرض وبعضها قدم أيضًا بمعالجة كوميدية، وبالمناسبة لدينا عددٌ من المتزمتين دينيًا يطلقون عليه «نكاح الوداع».

حاول المخرج والكاتب «العزب» البحث عن أسباب موضوعية لهذا الانحراف الذى ينتقل فيه من النقيض للنقيض، هناك مثلًا مشاهد توحى بأنه اكتشف أن أمه أثناء تواجدهما فى أمريكا اكتشف أنها أقامت علاقة مع صديقه، من الواضح أن تلك العلاقة تحديدًا تعرضت بعض تفاصيلها فى النسخة التى تم التصريح بها للحذف، كما أن ردود فعل السفاح مع الأم، تم فى الحد الأدنى تخففها، وأضاف الكاتب والمخرج أن من ضمن أسباب الانحراف تلك النظرة التى عاشها العرب والمسلمون فى أمريكا بعد أحداث البرجين 11 سبتمبر 2001، صار يُنظر إليه كمجرم، وبالتالى يقدمه كمريض نعم ولكنه ضحية مجتمع متعصب، ويدفع ثمن جريمة لم يكن أبدًا طرفًا فيها، وتلك أعتبرها نوعًا من «الفذلكة» الدرامية لا داعى لها.

المخرج فى أول تجربة له استطاع أن يضع قدمه -برغم كل الهنات- على بداية الطريق، مثلًا تنفيذ الجرائم حاول أن يمنح كل ضحية «كاركتر مختلفًا» على المستوى الدرامى والتعبير البصرى، والشخصيات مثل «القوادة» التى أدت دورها انتصار منحها قدرًا من خفة الظل، كما أن وكيل النيابة الممثل نور محمود برغم ثبات الموقف وتكراره كان ملفتًا، هناك لمحات فى التعبير السينمائى بالديكور والإضاءة والملابس، التجربة كعمل أول لمخرجه، تتيح له، أن يفكر فى مشروعه الثانى.

هل كان الفيلم يستحق كل هذا التوجس؟، فى مصر مثلًا مسموح بأفلام الرعب مع التصنيف العمرى والتحذير المسبق، هل تقديم شخصية «سادية» مثل البطل الذى أدانته المحكمة واستنفد كل درجات التقاضى وفى طريقه لحبل المشنقة، ستؤدى كما يقول البعض إلى انتشار معدلات الجريمة، هل علينا أن نعتبر المتفرج فى «كى جى وان» سينما وعلينا أن نقدم له رسالة وعظية.

مطلوب شىء من الهدوء والعقلانية علينا، لندرك الخط الفاصل بين الشاشة والواقع، لا تلوحوا بحبل المشنقة أمام أى انحراف نراه على الشاشة، أعلم أن لدينا قطاعًا من السلفيين لديهم رغبة فى خنق الفن بكل أطيافه، لا تمنحوا القط الشرس مفتاح الكرار!!.