ضياء العزاوي في مرسمه بلندن، 1983 (حساب الفنان على فيسبوك)

في مثل هذه الأيام من عام 1990، شهدت جنوب أفريقيا مظاهرات ضدّ السلطة بعد نحو شهر من الإفراج عن نيلسون مانديلا، بسبب مماطلتها في إلغاء نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الذي انتهى رسمياً سنة 1994، وقُمعت تلك الاحتجاجات حيث قُتل أكثر من ثمانين متظاهراً وسوّيت مئات المنازل بالأرض ونزح أكثر من 15 ألف شخص، لتضاف إلى سلسلة مجازر ارتكبت منذ عام 1910 بحسب المصادر التاريخية.

لم تمح آثار تلك السياسات العنصرية من الذاكرة باستدعائها نموذجاً للمقارنة مع جرائم مماثلة، ويبدو أبلغ ردّ عليها الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب أفريقيا نفسها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، تتهم فيها إسرائيل بارتكاب أعمال إبادة جماعية في غزّة، وصولاً إلى طردها سفير الاحتلال في يناير/ كانون الثاني الماضي. مقابل ذلك، شكّل الأدب والفن أبرز أداة لمناهضة الفصل العنصري، ويُستحضر هنا الفنان الجنوب أفريقي دوميل فيني الذي رسم “الغرنيكا الأفريقية” عام 1967.

رسَم فيني في لوحته الشهيرة عالماً مختلّ التوازن فيه كائنات مشوهة تمثل أقلية مارست العنف ضدّ شعبها على مدار عقود، وإلى جوار هذه الشخصيات التي جُرّدت من إنسانيتها، يظهر طفل رضيع يقترب من ضرع بقرة لعله ينجو، في تمثيل لأقصى درجات الإحباط واليأس في بلاده خلال تلك اللحظة.

لوحة كافية لتأمل فاجعة إنسانية وتسجيلها أيقونة بصرية للأبد

حظيت هذه اللوحة بمكانة في المشهد الفني العالمي كما يوضح متحف الملكة صوفيا في مدريد الذي يستضيفها ضمن برنامج يتواصل حتى الخريف المقبل، رغم أنها نُفذت بأدوات متقشفة مثل جميع أعمال دوميل فيني الذي لم يتلق تعليماً أكاديمياً منتظماً، ورسم معظم لوحاته بالحبر والفحم وما تيسر له من خامات رخيصة الثمن، ولم يعتقد للحظة وهو يقيم في أحد مستشفيات جوهانسبرغ في الستينيات أن تزيين جدرانه بالرسوم المثقلة بآلام شعبه وعذاباته، سيغيّر مسار حياته إلى فنان يرتبط اسمه بتاريخ الاحتجاج ضد أحد أسوأ الأنظمة العنصرية في العالم، وتبقى لوحاته شاهداً على المذابح والتهجير والقمع.

مقطع من “الغارنيكا الأفريقية” لدوميل فيني (متحف الملكة صوفيا في مدريد)

ابتكر فيني لغة بصرية جديدة لفتت الأنظار إليها عبر تكثيف الجحيم الذي عاشته جنوب أفريقيا وناميبيا لعقود طويلة، في مشاهد درامية تعكس الحالة النفسية للناس بوصفها حالة وجودية يومية لا توثق الواقع بمباشرة ووضوح، في استعارة من عوالم غويا وهيرونيموس بوش تحديداً ممزوجة بأساطير أفريقية، تذكّر بشكل أو بآخر بغرنيكا عربية رسمها الفنان العراقي ضياء العزاوي بين عامي 1982 و1983 التي مثّلت صرخة احتجاج ضدّ المجزرة التي ارتكبتها المليشيات “المسيحية” الانعزالية بدعم إسرائيل بحق حيّ صبرا ومخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبدأ العمل عليها بعد يومٍ من وقوع المجزرة، في محاكاة لبيكاسو والنقوش الرافدينية القديمة.

جدارية على امتداد سبعة أمتار ونصف استلهمها من صور نقلتها وسائل الإعلام آنذاك، ومن نصٍ كتبه جان جينيه الذي انخرط في صفوف الثورة الفلسطينية، تحت عنوان “4 ساعات في صبرا وشاتيلا”، إلا أن تكوينها تجاوز تصوير الأشلاء المكدسة والرؤوس المقطوعة بخطوط سوداء ملطخة ببقع الدم الأحمر، لترمز الأيادي الممدودة إلى السماء إلى موكب جنائزي صامت يختزل المأساة الفلسطينية في جميع فصولها.

لحظة الصمت ما بعد الكارثة يجسدها عمل العزاوي الذي سكن غرفة صغيرة في المخيم مطلع السبعينيات، ويدرك جيداً معنى احتشاد حوالى ألف وخمسمئة شهيد في الحد الأدنى في مكان لا تبلغ مساحته كيلومتراً واحداً فقط، في نسخة مصغرة من الإبادة الجماعية التي لم تتوقف بعد في قطاع غزّة، وإن أشاح العالم وجهه عنها منشغلاً بحروب أخرى.

رسَم ضياء العزاوي ودوميل فيني في المنفى، حيث قرّر الأول عدم العودة إلى بلده لأن الاستبداد لم ينته، مضيفاً أعمالاً أخرى عن الخراب الذي لحق بمدن العراق وسورية وفلسطين مثلما قدمها في معرضه “شهود الزور” ببيروت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ومات الثاني سنة 1991 دون أن يشهد زوال نظام الفصل العنصري في وطنه، لكن لوحة واحدة لكلّ منهما كانت كافية لتأمل فاجعة إنسانية وتسجيلها أيقونة بصرية للأبد.

* من أسرة العربي الجديد