ضمن مقاربةٍ تحليلية تتخذ من النقد الثقافي إطاراً لإعادة مساءلة تمثلات الثقافة في الفكر العربي المعاصر، يأتي الكتاب الجديد “في سياسة النقد الثقافي.. الثقافة الشعبية وهبوط الفن وجدل المعيار والقيمة” (دار خطوط وظلال 2026) للكاتب والناقد المغربي يحيى بن الوليد، منطلقا من مفهوم التمثيل كأداةٍ مركزيةٍ في فهم اشتغال النصوص والممارسات الثقافية.
يقوم الكتاب، الصادر حديثا، على تصورٍ يعتبر الثقافة مجالاً للتمثيل متعدد الصيغ، حيث يطرح مفهوم دمقرطة التمثيل كمدخلٍ لإعادة النظر في الأنساق القيمية التي حكمت تاريخيا تصنيف الأشكال الثقافية. في هذا السياق، تتخذ الثقافة الشعبية موقعا إشكالياً داخل الحقل النقدي، إذ يعاد التفكير في شروط إنتاجها وتداولها، وأيضا في الكيفيات التي جرى عبرها ربطها بنظامٍ تقويمي يضعها في مرتبة أدنى داخل الهرم الثقافي.
يتدرج العمل عبر مجموعةٍ من الأبحاث التي تؤسس للنقد الثقافي من حيث امتداداته النظرية، مع تتبع علاقته بالدراسات الثقافية التي أعادت إدماج الثقافة الشعبية داخل التفكير الأكاديمي. ويشغل جدل القيمة والمعيار حيزاً مركزياً في التحليل، من خلال تفكيك الأدوار التي تضطلع بها المرجعيات الثقافية في تحديد ما يُعتبر ثقافةً ذات قيمة وما يتم استبعاده من دائرة الاعتراف.
تصور يعتبر الثقافة مجالاً للتمثيل متعدد الصيغ
يمتد التحليل إلى الثقافة الجماهيرية في ضوء تصورات مدرسة فرانكفورت، حيث يجري ربطها ببنيات الإنتاج والتصنيع والاستهلاك، ضمن سياق المجتمع الجماهيري. ويأخذ الفن موقعاً محورياً داخل هذا المسار، عبر دراسة تحولات اشتغاله داخل منظومة الصناعة الثقافية، وما يرتبط بذلك من انتقالٍ على مستوى شروط التلقي والإنتاج، حيث تتبدل علاقته بالسياق الجمالي التقليدي إلى فضاءٍ تحكمه آليات التداول الواسع.
الكتاب الجديد ليحيى بن الوليد يستحضر كذلك أطروحات نظرية أساسية في هذا الحقل، من بينها تصورات ثيودور أدورنو حول الصناعة الثقافية، وإسهامات فالتر بنيامين في فهم الاستنساخ الميكانيكي وتحولات التجربة الجمالية، إضافة إلى أعمال جون ستوري في مقاربة الثقافة الشعبية ضمن الدراسات الثقافية.
هذا العمل، رغم انخراطه في سياق نظري تشكل داخل المركزية الثقافية الغربية المتأخرة، يتيح، حسب ما يلفت إليه مؤلفه في مقدمته، إمكانية إعادة قراءة الثقافة الشعبية في السياق العربي من زاوية تكوينها وانتشارها وتداولها، مع رصد استمرار حضور تصورات تقيم الثقافة وفق تقسيماتٍ هرمية بين ثقافة نخبوية وأخرى شعبية.
وينجز الكتاب هذا المسار عبر كتابةٍ تحليلية مكثفة تعتمد الإحالة والتركيز، وتعيد وضع أسئلة القيمة والمعيار داخل قلب التفكير الثقافي، بما يجعل النقد الثقافي أفقاً لإعادة فهم الثقافة والفن في علاقتهما بتحولات الإنتاج والتمثيل في الزمن المعاصر.
