في عام 1926، وعلى أثر عودته من موسكو، حيث كان شارك، من موقعه الفني، في التشكيلة الحكومية البلشفية قبل أن ينشق، ويقرر سلوك درب المنفى، أنجز الفنان مارك شاغال، الروسي المولود في بلدة ريفية أوكرانية، رسومات بقيت حتى اليوم خالدة لطبعة فرنسية من رواية “الأرواح الميتة” لمواطنه، وليد أوكرانيا بدوره نيكولاي غوغول، وكانت الطبعة من النجاح إلى درجة دفعت الناشر وذواقة الفن الفرنسي أمبرواز فولار، إلى اختيار شاغال نفسه، ومن بين عشرات الفنانين المحيطين به، ليكلفه، من دون غيره، العمل على رسوم تصور عديداً من أشعار وحكايات للافونتين أزمع الناشر أن يصدرها مع الأشعار نفسها في كتاب أنيق من نوع كان رائجاً ومطلوباً حينها.

والحقيقة أن الناشر كان قبل اتخاذه قراره، قد حسب كل شيء، إلا أن ينتفض عدد من الفنانين والصحافيين، بل حتى ذواقة الفن العاديين، ليحتجوا على التكليف بعدد من الحجج المتنوعة.

 

عريس 2.png

غلاف كتاب لافونتين “الحكايات” برسم لشاغال (أمازون)

ولقد استثار فولار، بشكل خاص، أن يكون من بين المحتجين، بل من بين أكثرهم شراسة، الفنان الفرنسي جورج رووه الذي وبكل “عنجهية، تقترب من حدود الشوفينية”، بحسب ما سيقول الناشر في مذكراته لاحقاً، طرح عليه أسئلة احتجاجية غاضبة حول اختياره فناناً روسياً “لوضع رسوم لصرح أساسي من صروح الثقافة والإبداع الفرنسيين”. ويخبرنا فولار في تلك المذكرات نفسها، أنه رد على تلك الحملة، وتحديداً على رووه بقوله، “تماماً أيها السادة إن اختياري شاغال، الشرقي، لتحقيق الرسوم إنما هو نابع من كون قصائد لافونتين نفسها لها ذلك المصدر الشرقي المتمثل في أشعار إيسوب. إن كون إيسوب هو المصدر الذي استلهمه شاعرنا القومي الكبير، في كتابته حكاياته هو بالتحديد ما دفعنا إلى النظر بالاعتبار إلى تزيينها برسوم لفنان شرقي، بمعنى أنني تعمدت أن تأتي الرسوم متأرجحة، كما حال أشعار لافونتين، بين واقعية سحرية ما، وميثولوجية شرقية مؤكدة”.

في مجلس النواب حينها وصل الأمر وبفعل ذلك التدخل الحاسم من أمبرواز فولار إلى محاولة قام بها البعض لمعرفة ما إذا كان “هذا الأخير فرنسياً حقيقياً أم يدعي ذلك”. وكان بالنتيجة أن وصلت المناقشات في شأن القضية إلى مجلس النواب، غير أن هذا المجلس لم يكن على سذاجة أصحاب الحملة، فأعطى الحق للناشر الذي لم يتراجع عن تكليف الفنان الروسي المهمة فصدر الكتاب المعني مزيناً برسوم راح النقاد الأكثر حصافة يغدقون عليها أسمى آيات الإعجاب والتقدير. ولسوف يجمعون في نهاية الأمر، ولا سيما إذ خفت ضجيج الحملة المفتعلة، على أن هذا الكتاب الذي جمع بين لافونتين ومارك شاغال، هو من أجمل الكتب التي صدرت في ذلك المجال حينها، أي في زمن راح فيه الناشرون ومحبو الرسم والشعر يمعنون في نشر كتب تجمع الفنين معاً، وصارت خلال سنوات مما يميز حقاً عالم النشر الفرنسي.

 

عريس 3.png

من رسوم شاغال في الكتاب (أمازون)

وهي أعمال لا بأس من أن نذكر أن ما تبقى منها من نسخ لا تزال تباع حتى اليوم في مزادات مدهشة ويقتنيها سراة القوم من محبي الفن محتفظين بها كنوزاً يتفاخرون بامتلاكها في خزائنهم كالجواهر الثمينة.

والحقيقة أن الكتاب الذي أصدره فولار حينها بأناقة وفخامة طباعية غير معهودة، يعتبر اليوم في طليعة المنتجات التي تنتشر بالنسخ القليلة المتبقية من طبعتها الوحيدة تلك، بين الهواة لتذكر في ما تذكر به من نواح عديدة، بالتلاقح الحضاري من طريق “وحدة الإبداع” التي قال فولار باكراً إنه قد توخى تحقيقها في الوقت نفسه الذي أسهم فيه، بذوقه وماله، في دعم فنان “لاجئ” متسائلاً في ختام كلامه “تُرى إن لم يستخدم مال الفن لمثل هذه الغاية لأية غاية أخرى قد يستخدم؟”.

فن غير عادي والواقع أنه حين كلف فولار مارك شاغال، تصوير الحكايات اللافونتينية، كان يعرف أن المشروع ليس مجرد تكليف تقني لفنان مهاجر، بل تحقيق عمل سيتحول إلى حدث ثقافي بإثارته جملة من النقاشات في الأوساط الباريسية، بخاصة أن الفكرة بدت في ظاهرها امتداداً لتقليد فرنسي عريق يقوم على إرفاق النصوص الكلاسيكية برسوم توضيحية، غير أن دخول شاغال على الخط هنا، سيبدو لكثيرين نوعاً من “اقتحام” غير متوقع، سواء كانت نظرتهم إليه سلبية رافضة، أو إيجابية محبذة.

صحيح أن الاعتراض الأساس كان يتناول سؤال الهوية والأسلوب. فشاغال القادم من تخوم الإمبراطورية الروسية، لم يكن منتمياً إلى الحس الكلاسيكي الفرنسي الذي يرتبط عادة بحكايات لافونتين، إذ إن أعماله المشبعة بالذاكرة اليهودية المحلية في شرقه الأوكراني – الروسي البعيد، وارتباطها بالطفولة والرمزية الحالمة، بدت بعيدة جداً من روح التهذيب والكياسة الفرنسية والسخرية الاجتماعية التي تميز نصوص لافونتين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا رأى عدد من المعنيين الفرنسيين أن هناك نوعاً من “عدم انسجام” بين النص والصورة وأن شاغال يفرض عوالمه الخاصة على نص يفترض ألا يقرأ إلا ضمن تقاليد بصرية فرنسية راسخة. غير أن هذا الاختلال بالذات هو الذي سيمنح المشروع قيمته الفنية. فشاغال لم يتعامل مع الحكايات بوصفها مادة يتعين شرحها بصرياً، بل بوصفها فضاءً لنوع من إعادة خلق، إذ إن الحيوانات في رسومه، لا تبدو ككائنات رمزية تؤدي أدواراً أخلاقية محددة، بل كائنات حية هائمة تنتمي إلى عالم أسطوري يتداخل فيه الواقعي بالحلم، بمعنى أن كائنات لافونتين قد تحررت لدى شاغال من بعدها التعليمي الضيق لتدخل في رحاب أفق شاعري أوسع.

بين النص والصورة ومن ناحية أخرى، إذاً، أسهم هذا المشروع في إعادة طرح مسألة العلاقة بين النص والصورة، إذ بدلاً من أن تكون الصورة تابعة للنص، كما في التقاليد الكلاسيكية، أصبحت شريكة تأويلية له، إذ إن شاغال قدم هنا قراءة بصرية للنصوص لا تقل استقلالية عن القراءة الأدبية، وهذا ما جعل العمل في مجمله، أقرب إلى أن يكون حواراً عميقاً بين وسيطين فنيين لا يتبع أحدهما الآخر بأية حال من الأحوال.

أما على مستوى الحياة الفنية الفرنسية، فإن ثمة تأثيراً موارباً سيكون ذا أهمية غير متوقعة بدورها في انفتاح الثقافة الفرنسية على تأثيرات خارجية وقبولها التدريجي لفنانين “غرباء” مهاجرين يعيدون صياغة تراثها، بمعنى أن النقاش لن يعود في نهاية الأمر سجالاً حول شاغال ولافونتين كمجرد نقاش حول التذوق الفني ومآلاته، بل تعبيراً عن توتر بين التقاليد المحافظة الضيقة والحداثة الكوزموبوليتية.

ويمكننا أن نستخلص من هذه الحكاية في نهاية الأمر أن الضجة التي رافقت ولادة هذا المشروع وظهوره، لم تكن عائقاً في وجهه، بل كانت شرطاً لإبراز أهميته على أكثر من صعيد.