باريس ـ حقّق المخرج الأردني إبراهيم دياب إنجازا لافتا في مهرجان العالم لأفلام الذكاء الاصطناعي 2026، المنعقد في مدينة كان الفرنسية بين الحادي والعشرين والثاني والعشرين من أبريل/نيسان الجاري، إذ فاز فيلمه القصير ‘البداية’ بجائزة أفضل فيلم ذكاء اصطناعي عاطفي، وسط إشادة واسعة من لجنة التحكيم والجمهور على حدٍّ سواء.

لا يمكن فهم دلالة هذا الفوز دون استحضار السياق الذي جاء فيه، فمهرجان العالم لأفلام الذكاء الاصطناعي ليس حدثا تقنيا بالمعنى الضيّق، بل مشروع ثقافي أطلقه ماركو لندي، مؤسس معهد ‘أوروبيا للذكاء الاصطناعي’، انطلاقا من قناعة واحدة: أن الخيال بطبيعته إنساني، وأن الذكاء الاصطناعي أداة في يد المبدع لا بديل عنه.

وُلدت الدزرة الأولى عام 2025 في مدينة نيس، وحققت ما لم يتوقعه كثيرون؛ أكثر من ألفي مشارك، وخمسة عشر مئة فيلم من خمس وثمانين دولة، وإحدى عشرة جائزة وُزّعت على أعمال أثبتت أن التكنولوجيا والإبداع ليسا على طرفي نقيض. ذاك النجاح دفع المنظمين إلى الانتقال بالحدث إلى كان في نسخته الثانية، تلك المدينة التي لا تُختار صدفةً حين يتعلق الأمر بالسينما.

وتعكس جوائز المهرجان فلسفته بوضوح؛ إذ تكرّم جائزة أفضل فيلم بالذكاء الاصطناعي  الأعمال التي تجمع بين سرد قوي واستخدام تقني مبتكر يخدم الرؤية الفنية لا يطغى عليها، فيما تستكشف جوائز السيناريو والمسلسلات كيف يمكن للخوارزميات أن تُسهم في بناء الحبكة وتطوير الشخصيات دون أن تسرق من الكاتب قلمه.

وأسندت رئاسة دورة 2026، إلى النجمة الصينية الكبيرة غونغ لي، الحائزة على جوائز في كان وفينيسيا وبرلين، في اختيار يحمل رسالة ضمنية: أن الفن الأصيل والتقنية الحديثة ليسا متناقضَين.

وجاء فيلم  ‘لبداية’، ليُجيب بطريقته على الأسئلة التي يطرحها المهرجان،  فلم يراهن العمل على الإبهار البصري أو الاستعراض التقني، بل سلك مسارا أكثر حساسية وجرأة في آنٍ معا: استكشاف العاطفة الإنسانية في لحظاتها الأولى.

ويتأمل الفيلم في الذاكرة والمشاعر الجنينية، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الوعي الرقمي على إعادة تشكيل هذه التجارب الداخلية المعقدة.

ونجح دياب في تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى وسيط سردي يُعمّق التجربة الشعورية بدلاً من الاكتفاء بمحاكاتها. فالتكنولوجيا في فيلمه ليست غاية مستقلة، بل عنصر داخل البناء الدرامي يُعاد توظيفه لفتح مساحات تعبيرية جديدة وصياغة عالم الشخصيات الداخلي بطريقة لم تكن ممكنة بالأدوات التقليدية. وبهذا المعنى، يصبح الذكاء الاصطناعي امتداداً للرؤية الإخراجية لا بديلا عنها، مما يمنح العمل طابعه الإنساني رغم اعتماده على أدوات رقمية متقدمة.

ويكشف هذا التوجه عن قناعة راسخة لدى دياب: أن التكنولوجيا، مهما بلغ تطورها، لا تُلغي مركزية الإنسان في العملية الإبداعية، بل توسّع أفقه وتمنحه إمكانيات جديدة للتجريب. ومن خلال “البداية”، يطرح المخرج سؤالاً يتجاوز حدود الشاشة: هل تفهم الآلة العاطفة فعلاً، أم أنها تكتفي بإعادة إنتاجها عبر عين الإنسان الذي يبرمجها ويوجّهها؟

جاء الفوز في مهرجان يقوم أصلا على فلسفة تعتبر الذكاء الاصطناعي شريكاً إبداعياً لا منافساً، فبدا تتويج دياب تجسيداً حيّاً لتلك الفلسفة، لحظةً التقت فيها الرؤية الإنسانية مع الأدوات الرقمية في عمل واحد متكامل.

ويحمل فوز دياب دلالةً تتجاوز الإنجاز الشخصي؛ إذ يعكس تحولا أعمق في موقع السينما العربية من المشهد الرقمي العالمي.

ولم يعد المخرجون العرب في موضع المتلقي للتقنيات الجديدة فحسب، بل باتوا يُسهمون في صياغة أسئلتها الكبرى، محتفظين برؤاهم الخاصة وخصوصيتهم الثقافية والإنسانية بدلاً من الذوبان في نماذج جاهزة.

ويبدو الرهان الحقيقي الذي كسبه ‘البداية’ ليس جائزةً فحسب، بل تأكيدا على أن القصة — مهما تطورت أدواتها — تبقى في جوهرها الأول فعلاً إنسانياً لا تُحسنه الخوارزميات وحدها.