في بعض الخطب السياسية تُقال الكلمات لكي تُنسى بعد دقائق، وفي بعضها الآخر تُصاغ الجمل لتبقى في الذاكرة بوصفها فعلاً من أفعال التاريخ. ومن هذا الصنف الثاني جاء خطاب الملك تشارلز الثالث أمام الكونغرس الأميركي؛ خطاب بدا في ظاهره احتفالياً بروتوكولياً، لكنه في بنيته العميقة نص أدبي محكم، يجمع بين البلاغة الكلاسيكية، والذكاء السياسي، وفنّ الإيحاء أكثر من التصريح.

أول ما يلفت النظر في هذا الخطاب هو بناؤه الدرامي، فالملك لم يبدأ من السياسة المباشرة، بل من التاريخ المشترك بين بريطانيا والولايات المتحدة، مستدعياً أربعة قرون من التداخل بين البلدين، هذا الاستدعاء لم يكن مجرد حنين إلى الماضي، بل تأسيس لمشروعية كلامه، كأنه يقول إن من يعرف الجذور يملك حق الحديث عن الفروع. ومن هنا جاءت الإشارات إلى أوسكار وايلد، وديكنز، وماغنا كارتا، وإعلان الحقوق، ولينكولن، في شبكة تناصٍّ ثقافي تجعل الخطاب أقرب إلى مقال أدبي رفيع منه إلى بيان رسمي.

والسمة الثانية هي اقتصاد اللغة، فالملك لا يرفع صوته، ولا يستعرض القوة، بل يعتمد ما يمكن تسميته «بلاغة الوقار». عباراته قصيرة نسبياً، متوازنة الإيقاع، تتقدّم بهدوء، لكن كل جملة تحمل وزناً أخلاقياً. حين قال إن السلطة التنفيذية يجب أن تخضع لـ«الضوابط والتوازنات»، لم يحتج إلى تسمية أحد؛ فالعبارة نفسها كانت كافية لتصل الرسالة. وهنا تتجلّى براعة النص: أن يوجّه النقد من غير أن يتورّط في الخصومة. أما على مستوى الصورة الفنية، فقد استخدم الخطاب ثنائية النور والظلام، والسيوف والمحاريث، والانفتاح والانغلاق. وهذه الثنائيات تمنح النص بعداً رمزياً يتجاوز المناسبة الآنية. فالحديث عن «تحويل المحاريث إلى سيوف» يعكس خوفاً من عالم يفضّل الحرب على الزراعة، والصدام على البناء. كما أن التحذير من الانكفاء الداخلي جاء بصيغة أخلاقية لا حزبية، كأن الملك يستدعي ضمير الأمة لا برنامجها الانتخابي. إن القيمة الأعمق للخطاب تكمن في نبرته الأخلاقية، فالملك لا يتحدث بوصفه حاكماً تنفيذياً، بل بوصفه صوتاً رمزياً يذكّر بالدستور، والتحالف، والديمقراطية، وسيادة القانون، وحماية الطبيعة، والتعاون الدولي.

لقد قدّم الملك تشارلز الثالث نصاً يبرهن أن البلاغة الحقّة ليست حُلِياً لفظياً تُعلَّق على أعناق المناسبات، ولا زخرفاً لغوياً يُستدعى للتجميل العابر، بل هي، في جوهرها، أداة حكم غير مباشر، تمارس سلطانها عبر الإقناع، وتبسط هيبتها من خلال الرمز.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App