2 مايو 2026 01:21 صباحًا
|

آخر تحديث:
2 مايو 01:28 2026

icon

الخلاصة

icon

قضية تهريب عتاد لبورتسودان تكشف اقتصاد الحرب: شركات واجهة وغسل أموال واستغلال غطاء إنساني بالإمارات والسودانيون الأكبر خسارة

قضية العتاد العسكري المرتبطة بسلطة بورتسودان، والتي كشفتها جهات التحقيق في دولة الإمارات، وأحال فيها النائب العام 13 متهماً و6 شركات إلى دائرة أمن الدولة، ليست مجرد واقعة تهريب معزولة، بل تحوّلت إلى ملف أوسع يسلّط الضوء على طبيعة شبكات عابرة للحدود، تجمع بين المال والسياسة، وتتحرك في مساحات معقّدة بين النشاط التجاري المشروع والأنشطة غير القانونية المرتبطة بالنزاعات.

وأكد عدد من أبناء الجالية السودانية في دولة الإمارات، أن ما تكشفه القضية لا يمكن فصله عن طبيعة الحرب نفسها الدائرة في السودان، حيث إن وجود شبكات تستفيد مالياً من استمرار النزاع يفسر جزئياً لماذا تطول هذه الحرب دون أفق واضح للحل.

المؤلم في هذه القضية ليس فقط محاولة تهريب السلاح، بل أن يتم ذلك عبر استغلال دولة مثل الإمارات، التي تُعرف بدورها الإنساني، وهو ما يمثل إساءة مزدوجة للقانون وللقيم.

وشدد أبناء الجالية السودانية على أن السودانيين هم الخاسر الأكبر من أي نشاط يطيل أمد الحرب، ما يعني مزيداً من النزوح والفقر والانهيار الاقتصادي، وأن تحويل الحرب إلى مصدر دخل لبعض الشبكات يطرح تساؤلات خطيرة حول الجهات التي تستفيد فعلياً من استمرارها، حيث تكشف القضية أن جزءاً من الأزمة في بلادهم لم يعد سياسياً أو عسكرياً، بل أصبح اقتصادياً، بعد ظهور جماعات تستثمر في الحرب وتتربح منها.

صفقات مترابطة

يقول نور الهدى محمد نور الهدى مدير دار عزة للنشر والأمين العام لاتحاد الناشرين السودانيين، إن هذه القضية تكشف نمطاً من العمليات المنظمة التي تستفيد من بيئات اقتصادية مفتوحة، وتوظف أدوات مالية وتجارية لإخفاء طبيعة أنشطتها الحقيقية، لافتاً إلى أن المتهمين نفذوا عملياتهم عبر صفقات مترابطة، جرى فيها استخدام شركات وواجهات تجارية لتغطية عمليات توريد عتاد عسكري، إلى جانب تمرير مدفوعات مالية عبر حسابات مصرفية بغطاء معاملات تجارية صورية.

وأضاف أن المؤلم في هذه القضية ليس فقط محاولة تهريب السلاح، بل أن يتم ذلك عبر استغلال دولة مثل الإمارات، التي تُعرف بدورها الإنساني، وهو ما يمثل إساءة مزدوجة للقانون وللقيم.

وقال إن إجرام فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان، يبرز محاولة واضحة لاستغلال طبيعة الإمارات كمركز مالي عالمي يتمتع بدرجة عالية من الانفتاح والمرونة. فهذه الخصائص، التي تُعد عنصر قوة في جذب الاستثمار والتجارة، حاولت الشبكة توظيفها لتمرير أنشطة مرتبطة باقتصاد الحرب.

المصدر الحقيقي للأموال

يتفق محمد بهاء رئيس الجالية السودانية في أبوظبي مع ما سبق، ويضيف قائلاً: «يبدو أن الهدف لم يكن مجرد استخدام القنوات المالية، بل إعادة توظيفها كغطاء، بما يعكس نمطاً من الأنشطة المرتبطة بغسل الأموال، حيث تختلط العمليات المشروعة بغير المشروعة، في محاولة لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال».

وقال إن السودانيين هم الخاسر الأكبر من هذه الممارسات، لأن أي نشاط يطيل أمد الحرب يعني مزيداً من النزوح والفقر والانهيار الاقتصادي، وإن تحويل الحرب إلى مصدر دخل لبعض قيادات الإخوان المسلمين في السودان يطرح تساؤلات خطيرة حول الجهات التي تستفيد فعلياً من استمرارها.

وقال إن القضية تكشف بوضوح أن جزءاً من الأزمة في السودان لم يعد سياسياً أو عسكرياً فقط، بل أصبح فساداً اقتصادياً، من خلال العمولات الضخمة المرتبطة بمثل هذه الصفقات المشبوهة وترعاها سلطة بورتسودان، حيث ظهرت طبقة تستثمر في الحرب وتتربح منها، وهو ما يعقّد أي مسار نحو السلام.

غطاء إنساني

يرى المهندس عمر خوجلي، رئيس الجالية السودانية في الشارقة، أن استخدام غطاء إنساني لتسهيل تمرير الشحنات العسكرية من قبل الإخوان المسلمين وسلطة بورتسودان، يطرح تساؤلات أوسع حول توظيف قنوات العمل الإنساني كوسيلة تمويه في حرب السودان، وهو ما وضح من خلال قضية العتاد العسكري لسلطة بورسودان، حيث جرى تقديمها باعتبارها ذات طبيعة طبية، قبل أن تكشف التحقيقات.

ولفت إلى أن البعد الأكثر دلالة في هذه القضية يتمثل في الجانب المالي، الذي يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بتمويل الحرب، بل بالاستفادة منها بشكل مباشر. فالفوارق بين القيم المعلنة للصفقات وتكلفتها الفعلية، وما يرتبط بذلك من عمولات بملايين الدولارات، تشير إلى أن إخوان السودان لا يعملون كوسيط، بل كطرف يسعى لتحقيق أرباح من داخل منظومة النزاع نفسها.

أنشطة غير مشروعة

الدكتور هشام محمد عباس زكريا عميد كلية الاتصال في الجامعة القاسمية، يرى أن هذه المؤشرات تعكس بوضوح ما يُعرف ب«اقتصاد الحرب»، حيث تتحول النزاعات في السودان إلى بيئة خصبة للأنشطة غير المشروعة للإخوان المسلمين، وتظهر فيها شبكات تجمع بين المصالح العسكرية والمالية، مشيرة إلى أن ما تكشفه هذه القضية يتجاوز حتى هذا المفهوم، ليطرح زاوية أكثر حساسية، تتعلق بطبيعة الأطراف المستفيدة. فالمعطيات تشير إلى أن هذه الشبكات لا تتحرك فقط بدوافع سياسية، بل أيضاً بدوافع اقتصادية واضحة، حيث يصبح استمرار الحرب في حد ذاته مصلحة، وبمعنى آخر، فإن هذه الشبكات لا تكتفي بإدارة الصراع، بل تستثمر فيه.

فيما يقول محمد صادق جعفر إن الحديث عن عمولات بملايين الدولارات، وشركات واجهة، وعقود صورية، يكشف أن بعض الأطراف لم تعد تنظر إلى موارد السودان كأصول وطنية، بل كفرص لتحقيق مكاسب خاصة، حيث إن ما يحدث لا يمكن وصفه فقط بأنه نشاط إجرامي، بل هو نموذج لفساد سياسي ومالي، يسعى للاستفادة من أموال البلاد وخيراتها في سياق حرب مدمرة، وأن الربح من الحرب يخلق حافزاً لاستمرارها.

سياق النزاع

قالت إسراء الريس، إن بروز أسماء على صلة بدوائر من النظام السوداني السابق والإخوان المسلمين، من بينها صلاح عبدالله قوش، إلى جانب ارتباطات بجهات داخل سلطة بورتسودان، من بينها عبدالفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، بحسب ما ورد في التحقيقات، تعكس تداخلاً بين البعد السياسي والتنظيمي والاقتصادي، في مشهد تتقاطع فيه مصالح أطراف مختلفة داخل سياق النزاع، بما في ذلك أطراف يُعتقد أنها تسعى إلى إعادة تموضعها سياسياً عبر الحرب.

وأضافت أنه برغم ما تتمتع به الإمارات من مرونة في نظامها المالي، وما تقوم عليه من استراتيجية إنسانية راسخة جعلتها وجهة عالمية للعمل الإغاثي والتجاري، فإن هذه القضية تُظهر أن تلك المزايا يسعى البعض لاستغلالها، لكن تقابلها يقظة أمنية عالية واحترافية متقدمة، فقد تمكنت الأجهزة المختصة من كشف خيوط العملية، وتتبع مسارات الأموال، وتحليل الأدلة، وإحباط المخطط قبل اكتماله، في نموذج يعكس قدرة مؤسسية على التعامل مع أنماط معقدة من الجرائم المنظمة العابرة للحدود.

وأكد محمد البيدر، مقيم في الدولة منذ 15عاماً، أن القدرة على تفكيك مثل هذه الشبكات تتطلب تنسيقاً عالي المستوى بين الجهات الأمنية والمالية، وأن ما تحقق يعكس جاهزية متقدمة في التعامل مع الجرائم المرتبطة باقتصاد الحرب.

وأضاف أن القضية في مجملها، لا تبدو مجرد واقعة تهريب، بل نموذجاً يعكس كيفية عمل شبكات إخوان السودان، وكيف تستفيد من النزاعات، وتوظف أدوات مالية وتجارية وإنسانية لتحقيق أهدافها، غير أن ما يبرز بوضوح هو أن هذه الشبكات لا تتحرك فقط بدافع الصراع، بل بدافع الاستفادة منه، في سياق تتحول فيه الحرب إلى نشاط اقتصادي، وتصبح فيه الموارد الوطنية محل تنافس غير مشروع، بينما تبقى الكلمة الفصل للقضاء، وتشير المعطيات إلى أن ما جرى يتجاوز حدود المخالفة الفردية، ليطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه الشبكات، ودورها في إطالة أمد النزاعات، وإعادة تشكيل موازين القوى عبر أدوات لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى المال والنفوذ.