لم تعد القمّة المرتقبة بين دونالد ترامب وشي جين بينغ مجرّد لقاء بروتوكولي بين زعيمي أكبر اقتصادين في العالم، بل تبدو أقرب إلى لحظة سياسية مفصلية تكشف حجم التحوّل الذي يمرّ به النظام الدولي. فالعالم الذي تشكّل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وقادته الولايات المتحدة منفردة لثلاثة عقود، بات اليوم أمام وقائع جديدة تفرض إعادة توزيع النفوذ وموازين القوة، لا عبر الحروب الكبرى فحسب، بل أيضاً عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والتحالفات العابرة للقارات.

القمّة التي تأجّلت سابقاً بسبب الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، تعود اليوم في توقيت أكثر حساسية وتعقيداً. فالولايات المتحدة لم تدخل إلى هذه المواجهة وهي في ذروة قوّتها كما حدث بعد حرب الخليج الأولى أو بعد غزو العراق، بل دخلتها وهي تعاني من إنهاك استراتيجي وتآكل تدريجي في قدرتها على فرض إرادتها بالقوة وحدها. أمّا الصين، فإنّها تدخل القمّة من موقع مختلف تماماً؛ موقع الدولة التي لم تعد تكتفي بالدفاع عن مصالحها الاقتصادية، بل باتت تنظر إلى نفسها باعتبارها شريكاً كاملاً في صياغة النظام الدولي الجديد.

من هنا، فإنّ أهميّة هذه القمّة لا تكمن في احتمال حلّ الخلافات بين الطرفين، لأنّ ملفات النزاع أعمق من أن تُحلّ في لقاء واحد، بل في محاولة الطرفين وضع قواعد لإدارة الصراع ومنع تحوّله إلى مواجهة مفتوحة قد تقود العالم إلى اضطراب غير مسبوق.

الصين التي فشلت واشنطن في احتوائها

طوال العقدين الماضيين، تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع الصين باعتبارها “الخطر المؤجّل”. رفعت شعار “احتواء الصين”، وحاولت تطويقها اقتصادياً وعسكرياً عبر التحالفات في آسيا والمحيط الهادئ، والحروب التجارية، والعقوبات التكنولوجية، ومنع وصول أشباه الموصلات المتقدّمة إليها. لكنّ النتيجة جاءت معاكسة إلى حدّ كبير.

فالصين لم تتراجع، بل تحوّلت إلى القوّة الصناعية الأولى عالمياً، وإلى منافس تكنولوجي حقيقي للولايات المتحدة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وشبكات الاتصالات والطاقة النظيفة والصناعات الدقيقة. والأخطر بالنسبة لواشنطن أنّ بكين نجحت في بناء نموذج اقتصادي مستقل نسبياً عن الهيمنة الغربية، مع توسّع هائل في نفوذها عبر مشروع “الحزام والطريق”، وتحويلها الاقتصاد إلى أداة نفوذ جيوسياسي.

لهذا، لم تعد واشنطن تنظر إلى الصين كمجرّد منافس اقتصادي، بل كقوة قادرة على إنهاء عصر الأحادية الأميركية. ومن هنا يمكن فهم حدّة الخطاب الأميركي المتصاعد تجاه بكين، سواء في ملف تايوان أو في قضية المعادن النادرة أو حتى في سباق الذكاء الاصطناعي.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد فقط تطوّر تقني، بل أصبح سلاح القرن الحادي والعشرين. ومن يمتلك التفوّق فيه، يمتلك القدرة على قيادة الاقتصاد العالمي وتطوير أنظمة التسليح والتحكّم بالبنى التحتية الرقمية والمعلوماتية. ولهذا تحديداً، تبدو المعركة بين واشنطن وبكين أشبه بحرب باردة جديدة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً وأقلّ وضوحاً.

إيران تكشف حدود القوة الأميركية

الحرب على إيران شكّلت اختباراً قاسياً للولايات المتحدة، ليس فقط عسكرياً، بل استراتيجياً أيضاً. فالإدارة الأميركية كانت تعتقد أنّ الضغوط العسكرية والاقتصادية قادرة على دفع طهران نحو الاستسلام أو القبول بالشروط الأميركية، لكنّ ما حدث كان مختلفاً تماماً.

إيران لم تسقط، ومضيق هرمز لم يُفتح بالقوة كما كانت واشنطن تعلن، بل تحوّل إلى مصدر استنزاف وضغط على الاقتصاد العالمي. والأسوأ بالنسبة للأميركيين أنّ الحرب كشفت حجم التردّد داخل الإدارة الأميركية نفسها، والتناقض بين الخطاب السياسي والقدرة الفعلية على الحسم.

هنا تحديداً برز الدور الصيني. فبكين لم تدخل الحرب عسكرياً، لكنها دخلتها سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً. استقبلت عباس عراقجي، وأعلنت دعمها لحقّ إيران في الدفاع عن نفسها، وتمسّكت بالشراكة الاستراتيجية معها، وفي الوقت نفسه دفعت باتجاه التهدئة ومنع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة.

الصين تدرك أنّ استقرار الخليج مسألة حيوية لأمنها الطاقوي، لكنها تدرك أيضاً أنّ الفوضى المستمرة تمنح الولايات المتحدة مبرّراً دائماً للبقاء العسكري والسياسي في المنطقة. لذلك، فإنّ الرؤية الصينية تقوم على بناء نظام إقليمي تشارك فيه دول المنطقة نفسها، بعيداً عن الهيمنة الخارجية.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المقاربتين الأميركية والصينية: واشنطن تدير الشرق الأوسط بمنطق الأحلاف والردع العسكري، بينما تحاول بكين تقديم نفسها كقوة توازن واستقرار وشريك اقتصادي طويل الأمد.

من الهيمنة إلى إدارة التوازنات

القمة المرتقبة بين ترامب وشي تعبّر في جوهرها عن انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأميركية المنفردة إلى مرحلة إدارة التوازنات الدولية. وهذا لا يعني أنّ الولايات المتحدة فقدت مكانتها كقوة عظمى، لكنها لم تعد قادرة على فرض رؤيتها منفردة كما كان يحدث في تسعينيات القرن الماضي.

التحوّل الأهمّ أنّ عدداً متزايداً من الدول بات يبحث عن هامش استقلال أوسع بعيداً عن الاستقطاب التقليدي. حتى حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط لم يعودوا يتعاملون مع الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الوحيد للأمن، بل بدأوا بفتح قنوات أوسع مع الصين وروسيا، وبناء سياسات أكثر استقلالية.

هذا التحوّل لا يرتبط فقط بتراجع الثقة بالسياسات الأميركية، بل أيضاً بصعود الصين كقوة قادرة على تقديم بدائل اقتصادية وسياسية. فبكين لا تطرح نفسها كقوة احتلال أو كدولة تسعى لتغيير الأنظمة، بل كشريك يركّز على التنمية والاستقرار والتبادل التجاري.

ومن هنا، فإنّ النفوذ الصيني في الشرق الأوسط لا ينمو عبر القواعد العسكرية، بل عبر الاقتصاد والطاقة والاستثمارات والبنية التحتية والوساطات السياسية. وهذا ما يمنح الصين قدرة متزايدة على التحوّل إلى لاعب دولي يصعب تجاهله.

في النهاية؛ فإن ما يجري اليوم ليس مجرّد أزمة هامشية بين دولتين، بل تحوّل تاريخي في بنية النظام الدولي. العالم يتّجه تدريجياً نحو تعدّد الأقطاب، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض السيطرة، بل أصبحت التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والقدرة على إنتاج الاستقرار عناصر أساسية في تحديد مكانة الدول. ولهذا تبدو الصين اليوم أكثر اهتماماً بلعب دور “المنظّم الدولي” لا “المحارب الدولي”. فهي تحاول تقديم نفسها كقوة مسؤولة قادرة على حماية الاستقرار العالمي، في مقابل صورة أميركية اهتزّت بفعل الحروب الطويلة والتناقضات السياسية الداخلية.

لكنّ هذا الانتقال لن يكون هادئاً أو سهلاً. فالقوى الكبرى نادراً ما تتنازل عن نفوذها من دون صراع، والتاريخ مليء بأمثلة الانتقال العنيف بين موازين القوى الدولية. غير أنّ ما يميّز اللحظة الحالية أنّ العالم بات أكثر ترابطاً اقتصادياً من أي وقت مضى، ما يجعل كلفة المواجهة المباشرة كارثية على الجميع.

لهذا، فإنّ قمة ترامب وشي قد لا تُنهي النزاعات، لكنها قد تؤسّس لمرحلة جديدة عنوانها: إدارة الصراع تحت سقف منع الانهيار العالمي. وفي عالم يعيش حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، قد يصبح الحفاظ على التوازن الدولي إنجازاً بحدّ ذاته.