يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين مجددا بعد نحو ثمانية أعوام ونصف من زيارته الأولى، فيما وصفته صحيفة صينية بأنها محاولة لتسيير سفينة العلاقات مع بكين وسط الرياح والعواصف.

ولا يبدو أن ترمب الذي اعتاد على امتلاك الكثير من الأوراق الرابحة، يعود إلى الصين وهو أفضل مما كان عليه من قبل، ما قد يضعف موقفه أمام الزعيم الصيني شي جين بينغ.

فخلال شهر ونصف من الحرب على إيران استنزف الجيش الأمريكي الكثير من مخزونه من الأسلحة والذخائر، كما تلقى ترمب الكثير من سهام النقد في الداخل والخارج، بشكل يهدد شعبيته وحظوظ حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

في المقابل، يعتقد مراقبون أن الصين تأثرت سلبا بالحرب وبإغلاق مضيق هرمز نظرا لاعتمادها على النفط القادم من إيران وبالتالي ليس لها مصلحة في استمرار الوضع في الخليج العربي طويلا.

لكن هؤلاء يرون أيضا أن بكين تجني من الأزمة عدة مكاسب في تنافسها مع واشنطن، بينها تقديم نفسها للعالم بوصفها شريكا موثوقا يحترم القانون الدولي ويقف، وفق عبارة رائجة في الخطاب الرسمي، “على الجانب الصحيح من التاريخ”.

ورغم التصريحات المتفائلة والاحتفالات البروتوكولية التي تنتظر ترمب في بكين، تبدو القمة أبعد ما تكون عن الخروج بتسوية شاملة. فالحرب الإيرانية ما تزال مفتوحة، والتوتر حول تايوان يتصاعد، والحرب التجارية لم تُحسم، فيما تتحول الطاقة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة إلى أسلحة جيوسياسية في معركة إعادة تشكيل موازين القرن الحادي والعشرين.

وفيما يلي نحاول إلقاء مزيد من الضوء على هذه الزيارة المهمة عبر سؤال وجواب..

ما موعد الزيارة؟

الزيارة التي تبدأ الأربعاء، ستكون لثلاثة أيام بين 13 و15 مايو/أيار الجاري.

كان من المقرر سابقا أن تجري الزيارة بين 31 مارس/آذار و2 أبريل/نيسان، لكنها تأجلت بسبب حاجة ترمب إلى البقاء في بلاده لمتابعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

متى كانت الزيارة السابقة؟

الزيارة الأخيرة لرئيس أمريكي إلى الصين كانت لترمب أيضا خلال العام الأول من ولايته الأولى حيث زار بكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

في حين لم يقم خليفته جو بايدن بأي زيارة للصين خلال ولايته التي استمرت أربع سنوات ابتداء من يناير/كانون الثاني 2021.

من يرافق ترمب؟

وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من أهم أعضاء الوفد المرافق لترمب في زيارته للصين.

لكن اللافت وفق ما أعلنه البيت الأبيض هو مشاركة رؤساء شركات أمريكية كبرى أبرزهم إيلون ماسك من تيسلا وتيم كوك من أبل.

وكشف مسؤول في البيت الأبيض قائمة من رؤساء تنفيذيين لمجموعات أمريكية عملاقة في مجالات صناعية مثل بوينغ وجي إي، والقطاع المالي مثل غولدمان ساكس وفيزا وماستركارد، والتكنولوجيا مثل ميتا وسيسكو.

أبرز الملفات على طاولة شي وترمب(الجزيرة)ما أهمية الزيارة؟

تأتي الزيارة المرتقبة في وقت تستمر فيه التوترات في منطقة الشرق الأوسط.

وشهدت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين سلسلة من الخلافات خلال ولاية ترامب الثانية، حيث تمثلت هذه الخلافات في زيادة واشنطن للتعريفات الجمركية وفرضها قيودا على التكنولوجيا الصينية، ومساعي الصين للسيطرة على العناصر الأرضية النادرة.

تقول وكالة الأنباء الألمانية إن القمة ستكون مواجهة بين قوتين جيوسياسيتين عملاقتين، وصورة حديثة للمواجهات الفردية بين القادة التي عرفها التاريخ.

ماذا عن سياق العلاقات في السنوات الأخيرة؟

بعد قليل من عودته إلى السلطة في ولاية ثانية، أعلنت الصين ما يشبه حربا تجارية على الصين بين دول أخرى كثيرة في العالم، وفي أبريل/نيسان 2025، أعلن في منشور على تروث سوشال أن رسومه الجمركية ستجعل الصين تدرك أن “أيام استغلال” الولايات المتحدة قد ولت”.

لكن الأجواء سرعان ما تغيرت بشكل كبير، فالرسوم الجمركية دفعت بكين إلى تقييد صادرات العناصر الأرضية النادرة، وهو ما تسبب في توقف خطوط الإنتاج في بعض المصانع الأمريكية، ما كشف مدى الاعتماد الشديد للغرب على عناصر حيوية للتصنيع بدءا من السيارات الكهربائية وحتى الأسلحة.

وبدا أن الرد الصيني دفع نحو التوازن في العلاقات حيث خفضت واشنطن من رسومها الجمركية ليدخل الجانبان في هدنة استمرت حتى الآن.

ما أهم الملفات على الطاولة؟

الاقتصاد والتجارة

من المتوقع أن تهيمن العلاقات التجارية الثنائية على المحادثات، بعد عام من المواجهة عبر الرسوم الجمركية وقيود متعددة على التبادل التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.

واتفق ترمب وشي على هدنة مؤقتة في هذه الحرب في أكتوبر/تشرين الأول خلال اجتماع عقد في كوريا الجنوبية.

ويرجح مراقبون تمديد الجانبين لهذه الهدنة بالنظر إلى احتياج كل منهما لذلك، فالصين تضع أولوية كبرى للنمو الاقتصادي، ولذلك تسعى إلى الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي في ظل التحديات الراهنة، مثل تباطؤ النمو وعودة الضغوط التضخمية.

كما أن هذه الهدنة تخدم أيضا مصلحة الولايات المتحدة، خاصة في سياق داخلي يتسم بحسابات سياسية مرتبطة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي تقض مضجع ترمب حيث يسعى إلى تحقيق إنجازات اقتصادية تزيد من حظوظه وحزبه الجمهوري.

إيران

وإلى جانب التجارة، يُتوقع أن تحتل أزمة الشرق الأوسط، بتداعياتها العالمية وانعكاساتها على الصين، موقعا مهما في المحادثات.

وفي مقدمة هذه القضايا تأتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي.

وقالت واشنطن إن ترمب يعتزم استغلال زيارته للضغط على الصين لاستخدام نفوذها على إيران للمساعدة في حل أزمة الخليج.

وتُعد الصين شريكا اقتصاديا وسياسيا رئيسيا لإيران، وهي أكبر مستورد للنفط الإيراني بفارق كبير عن سائر المستوردين.

وتتأثر هذه الدولة الآسيوية العملاقة بشكل مباشر بالمواجهة الأمريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز بصورة شبه تامة. ووفقا لشركة التحليلات “كيبلر”، فإن أكثر من نصف واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرا مصدرها الشرق الأوسط، وتمر بشكل أساسي عبر هذا المضيق.

تايوان

إلى جانب التجارة، قال ترمب أمس الاثنين إنه سيناقش مع شي مبيعات الأسلحة إلى تايوان، بينما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن بلاده تعارض بشكل “ثابت ولا لبس فيه” هذه المبيعات.
ومنذ عام 1982، كان أحد المبادئ الرئيسية للإستراتيجية الأمريكية هو عدم “التشاور” مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان.

وأعلن ترمب -في ديسمبر/كانون الأول الماضي- إبرام أكبر صفقة أسلحة أمريكية على الإطلاق لتايوان، تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار.

وتعتبر الصين تايوان مقاطعة تابعة لها لم تتمكن من ضمها لبقية أراضيها منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وهي تدعو إلى حل سلمي، لكنها تنادي بحقها في استخدام القوة. وتعارض أي إجراء من شأنه تقويض “إعادة التوحيد” التي تعتبرها حتمية وغير قابلة للتفاوض.

في المقابل، تستند السياسة الأمريكية تجاه تايوان إلى دعم عسكري قوي للجزيرة، من دون اعتراف كامل أو دعم علني لتطلعاتها إلى الاستقلال.

الذكاء الاصطناعي

يسعى الجانبان أيضا إلى تفاهمات تدريجية حول قضايا عالقة في مجال التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

وتضغط الولايات المتحدة بشدة على الصين لمنعها من الوصول إلى بعض التقنيات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعد الرقائق الإلكترونية إحدى ساحات هذا الضغط.

ويرى مراقبون أن الصراع الحقيقي بين الجانبين يكمن في “سيادة التكنولوجيا”. فبينما تطالب واشنطن الصين بفتح أسواقها ورفع القيود عن المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية، تضغط بكين لرفع الحظر عن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

قضايا أخرى

قال ترمب أيضا إنه سيبحث في الصين قضية قطب الإعلام المسجون جيمي لاي، كما حثت أسرتا أمريكيين اثنين مسجونين في الصين منذ أكثر من عشر سنوات ترمب على السعي لإطلاق سراحهما.

التبادل التجاري بين أمريكا والصين(الجزيرة)ماذا عن خصوصية الشرق الأوسط؟

منذ أشعل ترمب الخلاف مع الصين في العام الماضي، خاض معارك أخرى لا حصر لها، منها اختطاف رئيس فنزويلا والتهديد بضم جزيرة غرينلاند، كما هاجم حتى حلفاءه في حلف الناتو، وأخيرا شن مع إسرائيل حربا على إيران أدت إلى إغراق الشرق الأوسط في الفوضى وأثارت أزمة طاقة عالمية.

وخلص استطلاع رأي أجرته رويترز/إبسوس الشهر الماضي إلى أن أكثر من 60 بالمئة من الأمريكيين لا يؤيدون حربه على إيران.

ولذلك تعتقد رويترز أن ترمب يريد من الصين إقناع طهران بإبرام اتفاق مع واشنطن لإنهاء الصراع. علما بأن الصين تحافظ على علاقاتها مع إيران ولا تزال مستهلكا رئيسيا لصادراتها النفطية.

جدير بالذكر أن الصين استقبلت في الأسبوع الماضي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في خطوة عكست استمرار التواصل الوثيق بين الجانبين.

ماذا يريد ترمب من الصين؟

تقول وكالة رويترز إن ترمب استهل ولايته الثانية بفرض رسوم جمركية باهظة كان يأمل أن تؤدي إلى إخضاع المنافس الاقتصادي الرئيسي لبلاده، لكن محللين سياسيين يقولون إنه يتوجه إلى الصين بعد أن تقلصت أهدافه بسبب الأحكام القضائية التي نالت من طموحاته، لتقتصر الرسوم على القليل من الصفقات المتعلقة بفول الصويا ولحم البقر وطائرات بوينغ.
كما أن ترمب يريد طلب المساعدة من الصين لوضع نهاية للحرب التي شنها على إيران والتي لا تحظى بتأييد يذكر، وفقا لرويترز أيضا.

يقول أليخاندرو رييس أستاذ السياسة الخارجية الصينية بجامعة هونغ كونغ إن ترمب “يحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إليه”، ويضيف لوكالة رويترز إن الرئيس الأمريكي “بحاجة إلى نوع من الانتصار على صعيد السياسة الخارجية.. انتصار يظهر أنه يسعى إلى ضمان الاستقرار في العالم وأنه لا يكتفي فقط بإحداث اضطرابات سياسية عالميا”.

وبدورها تقول صحيفة الغارديان البريطانية إن ترمب الذي طالما وُصف بأنه “صانع صفقات”، يجد نفسه اليوم في وضع “لم يعتد عليه”، وهو طلب العون من شي جين بينغ لحل أزمة إغلاق مضيق هرمز، مضيفة أن هذا الوضع يمنح بكين نفوذا دبلوماسيا هائلا قبل أن تبدأ المفاوضات رسميا.

ماذا تريد الصين من الولايات المتحدة؟

تقول صحف أمريكية إن القضية الجيوسياسية الأبرز هي مستقبل تايوان، وقد أبدت الصين رغبتها في تحقيق مكاسب في هذا الملف.

وقبل الزيارة، انتشرت تكهنات بأن ترامب قد يغيّر الموقف الأمريكي من مستقبل الجزيرة، من خلال إعلان صريح لمعارضة الولايات المتحدة لاستقلال تايوان، بدلا من الاكتفاء بعدم دعمه.

من جانبه، يقول مات بوتينجر الذي شغل منصب نائب مستشار الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى إن الصين ترغب في نتيجة تنال من نفوذ الولايات المتحدة، لكنها ليست بمنأى عن التكلفة الاقتصادية لصراع طويل الأمد. وستريد الصين بالتأكيد شيئا في المقابل، وتأتي تايوان على رأس أجندة شي.

وحسب وكالة رويترز، ففي حين يخشى البعض من صفقة قد تشجع الصين على الاستيلاء على تايوان بالقوة، فإن مجرد تغيير طفيف في الصياغة من واشنطن من شأنه أن يثير القلق بشأن التزام أهم داعم لتايبه، وهو ما سيؤثر على حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في آسيا.

ماذا قال ترمب قبل الزيارة؟

في تصريحات أدلى بها قبل يومين من الزيارة قال ترمب عن شي: أنا أحترمه كثيرا، وآمل أن يحترمني هو أيضا”.

وفي تصريحات أدلى بها أمس الاثنين قال ترمب: “كنا نتعرض للاستغلال لسنوات طويلة في عهد رؤسائنا السابقين، والآن نحقق نجاحا كبيرا مع الصين”.

وقال ترمب -للصحفيين في البيت الأبيض– إنه يتطلع “بشوق كبير” لرحلته إلى الصين، واصفا إياها بـ”البلد المذهل” الذي يقوده “زعيم يحظى باحترام الجميع”. ولفت إلى أنه “يتفاهم بشكل جيد” مع الرئيس الصيني.

وفي الختام، يقول تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية إن ترمب بنى خلال ولايته الأولى علاقة مع شي تراوحت بين الود والمواجهة، وكثيرا ما أشاد ترمب بشي على المستوى الشخصي، حتى مع تصاعد الخلافات السياسية وتفاقمها خلال أزمة جائحة فيروس كورونا عام 2020. كما أظهر شي في نهاية المطاف قدرة على التواصل مع ترمب من خلال الإطراء والإيماءات الرمزية، مع الحفاظ على موقف حازم بشأن قضايا جوهرية مثل تايوان.