يقرر الضفدع فى بِركَتِه ألا يقفز حين تزداد حرارة المياه؛ ليتأقلم ويتعايش دون إحساس بالخطر.. ويظل هكذا، رغم تضاعف درجة الحرارة، حتى إذا وصلت إلى الغليان فلن يستطيع وقتها القفز بسبب ركوده المستمر قبل ذلك.

وفى موضوعنا أدناه ترتفع حرارة التسلل الشرير من حركة الأفروسنتريك (حركة من الأفارقة الأمريكيين تَدَّعى كذبًا أن الحضارة المصرية هى إفريقية الأصل وتنتسب إلى السود والزنوج)، فيجب عدم ترك سيناريوهاتها دون سيناريوهات مصرية مضادة.

بدت ملامح الحركة وألوانُها الملتصقة باسمها، مع ظهور بوستر فيلم «أسد» للفنان محمد رمضان، وهو ما لا يعد دليلًا قاطِعًا على أن السيناريو «سنتري» يدعو إلى أفكار الحركة، فلا يمكن الحسم دون مشاهدة القصة كاملة.

لكن ما جرى من تسريبات حول أحداث الفيلم توحى بالعبيد الزنوج وتعذيبهم فى مصر القديمة، هذا أمرٌ يتقاطعُ مع الظن والزعم السنترى لقيادات حركة الأفروسنتريك.. لكن سننتظر لحين العرض وطَرْح سؤال: هل «أسد» يراوغ الهُويّة المصرية؟!.

وانتظارًا للفيلم ورؤيته، يجب اعتبار الحديث عن الحركة موجةً من موجات التوغُّل نحو المجتمعات المحلية، وهو ما يجب عدم تهميشه، ولا يمكن تهميشه وفقًا للسيناريو المرغوب فيه، بل يجب تغيير الاستراتيجية المصرية والتكتيك تجاه هذا الخطر القائم، ويدعو إلى تعزيز سرديته وتزييف التاريخ.

للحركة قوى ناعمةٌ، من بينها فنانون مستخدمون لنشر الأفكار الضالة فى المجتمعات الإفريقية، ومن بينها مصر، وخرج منها الممثل الهوليوودى، ويل سميث، فى أحد لقاءاته باللغة العربية، وعلى شاشة خليجية، يبث أفكارًا تتماشى مع الحركة، وهذا بافتراض حُسن نوايا مقدم البرنامج والقناة.

أضيف لكَ قارئنا العزيز، والذى يجب أن تكون على وعى كافٍ بما يدور فى هذه السردية، أنَّ روّاد موسيقى «البوب» والـ«هيب هوب» يجرى الاتفاق معهم لتنظيم حفلات بالدول الأفريقية لنشر الصورة البصرية لأشكال الأفروسنتريك، وكذلك بعض الطقوس المرتبطة بها، ومن قبل هذا وذاك كانت هناك تجربة اسمها فيلم «كليوباترا» أذاعته منصة «نتفليكس» واحتوى على الأفكار السامة.. ومصادفة اسم بطلته «جادا بينكيت سميث»، وهى زوجة «ويل سميث» منذ عام ١٩٩٧، ذات البشرة السمراء، وكان العمل من إنتاجها.

واستكمالًا للحديث، يجب توضيح نقاط القوة وأيضا الضعف لهذه الحركة، وتتضمن نقاط قوتها تواجدها فى أمريكا، وامتلاكها ٢٥٠٠ شركة، من بينها الشركة القابضة المركزية فى إحدى أشهر دول الجنوب الإفريقى، وهى شركات من بين ٢.٥ مليون شركة مملوكة للزنوج فى الولايات المتحدة؛ وهو ما يعد قوة اقتصادية ودعمًا قويًّا.

من قوتها كذلك «الدعوة بمظلومية»، فقد تنجذب لها منظمات حقوق إنسان عالمية غير عادلة، وتستهدف مصر من قريب أو بعيد، وتستدعى فاعلين محتملين ومتأثرين، فى ظلِّ دورٍ قوى تلعبه مصر فى ملف اللاجئين وتستوعب أكثر من ١٠ ملايين لاجئ، غالبيتهم من أصحاب البشرة السمراء.

لكن الأمر لم يكن مهمًّا للأمريكيين، وهذه هى أولى نقاط ضعف الحركة، بسبب معرفة الجميع بالحضارة المصرية وأصولها وجذورها، وتأصيل التاريخ تحمله الجدران المبنية منذ ٧ آلاف سنة، قبل أن تسطره الأقلام على الأوراق.

كما أن الترابط المصري- ويا لها من نعمة!- وكرم المصريين وحفاوتهم فى دمج أى لاجئ عربى أو إفريقى فى حياتهم، هو فى حد ذاته نقطة قوة هائلة، لكن الأمر أيضًا فى حاجة إلى سردية مصر التاريخية، تنتشر بآلية مماثلة ومضادة للحركة التى تستخدم تقنية الذكاء الاصطناعى فى نشر أفكارها.

مع العلم أن التسويق لسردية التاريخ المصرى بكثافة تضرب عصفورين بحجرٍ واحد: أولهما تنشيط السياحة الثقافية المرتبطة بآثار مصر، والثانى ردع السردية الأفّاقة والكاذبة لهذه الحركة.

وفى النهاية، لو رأت الرقابة -أى رقابة- أن الأعمال الفنية تتقاطع مع التوجه السنترى، فلا فن ولا إبداع ولا جدال فى المنع، طالما التزييف هو الهدف؛ لأن من رسائل الفن التوعية والوعى والتثقيف.. «اللهم بلغت».