يعد فيلم “الكلاب السبعة” أو “سفن دوجز” أول تجربة سينمائية عربية تجمع نخبة من أكبر نجوم الوطن العربي مثل كريم عبدالعزيز وأحمد عز وناصر القصبي ومنة شلبي وتارا عماد وسيد رجب، ومن هوليوود وبوليوود شارك في البطولة نخبة من النجوم منهم مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت وجيانكارلو اسبوزيتو وماكس هوانغ ومارتن لورانس، ونفذ الفيلم بموازنة وصلت إلى نحو 40 مليون دولار أميركي، وتحت قيادة مخرجين من أهم صناع سينما الحركة في العالم هما البلجيكيان من أصل مغربي عادل العربي وبلال فلاح مخرجا فيلم “باد بويز”، والفيلم عن قصة للمستشار تركي آل الشيخ وسيناريو وحوار محمد الدباح، وإنتاج هيئة الترفيه السعودية.

والعمل بكل هذه الإمكانات ليس مجرد مشروع محلي عادي، بل محاولة لصنع تحول جذري في صناعة السينما العربية، وإعادة تعريف شكل الفيلم التجاري العربي بالكامل، ومراهنة صريحة كذلك على صناعة “بلوكباستر” عربي بالمفهوم الهوليوودي الكامل.

ومصطلح “بلوكباستر” ليس مجرد وصف لفيلم ناجح، بل فلسفة كاملة في صناعة السينما لوصف الأفلام القادرة على تحطيم السوق جماهيرياً، ومن ناحية الإيرادات، ومع الوقت تحول المصطلح للإشارة إلى نوع محدد من الأعمال يعتمد على عدة عناصر أساسية، منها الموازنة الضخمة، والإيقاع السريع، وحشد مشاهد الإبهار ومشاركة النجوم الكبار، وتوفر الإمكانات الضخمة على مستوى التنفيذ، والتسويق العالمي لاستهداف فئات مختلفة من الجمهور عبر حدود العالم، ومن هذه الأفلام “فاست أند فيريوس”، و”باد بويز” و”ميشن إمبوسيبول”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

“سفن دوجز” يبدو محاولة هي الأولى لتعريب مشروع عالمي، وتقديمه في سياق غير محلي بإمكانات وتقنيات مختلفة من ناحية الصوت والصورة وأماكن التصوير والنجوم. وقد جرى بناء مدن كاملة في الرياض باستوديوهات الحصن لمضاهاة أماكن التصوير الحقيقية في بعض الدول، مثل الصين والهند والولايات المتحدة الأميركية، لتتحول الرياض بصرياً إلى بديل مدن عالمية، وهذه خطوة تبشر بإمكان تنفيذ صناعة السينما العربية إنتاجات سينمائية عالمية من دون السفر إلى الخارج.

حركة ومغامرة وتشويق

يقدم الفيلم الحركة والمغامرة والتشويق من خلال قصة تتحمل أن يجري تقديمها في أجزاء عدة، فقد بنيت على تيمة الصراع العالمي بين منظمات إجرامية وأشخاص نافذين عبر أقطار العالم. ومن خلال منظمة إجرامية تسمى “الكلاب السبعة” أو “سفن دوجز” تنطلق الأعمال الخارجة عن القانون مثل تجارة السلاح والمخدرات عبر العالم من خلال وكلاء يسيطرون على كل بلد ولكل منطقة كلب من الكلاب السبعة يدير الأعمال غير المشروعة.

غالي أبو داوود (كريم عبدالعزيز) هو أحد الكلاب السبعة الذي يتعاون في كثير من الأعمال الإجرامية من خلال المنظمة، حتى يقع خلاف حاد بينه وبين المسؤولين بها، فيقررون تصفيته جسدياً بعد تصويت من الأعضاء، وقبيل تنفيذ حكم الإعدام يتدخل الضابط المصري خالد العزازي (أحمد عز)، وينقذ أبو داوود من الموت، ويسلمه للجهات الرسمية لينفذ أحكام القانون الدولي عقاباً على جرائمه.

يشتعل الصراع عندما يضطر الإنتربول إلى الاستعانة بالعزازي، لوقف مخدر خطر يهدد الشرق الأوسط يحمل اسم “بينك ليدي” أو “السيدة الوردية”، وهنا يضطر الضابط للتعاون مع غالي للوصول للكلاب السبعة، ووقف تصدير المخدر للمنطقة، وإجهاض التفشي الإجرامي للمنظمة الأخطر عالمياً.

تدفع الظروف الثنائي لتنفيذ تلك المهمة الخطرة، والوصول إلى الكلاب السبعة واحداً تلو الآخر في البلاد المختلفة، وكلما وصلا إلى شخص تحتم عليهما الإمساك بالآخر، لتستمر المهمة وسط مشاهد سريعة ومبهرة من الأكشن والتفجيرات والصراعات التي لا تتوقف ولو ثانية واحدة حتى يلتقط المشاهد أنفاسه.

f2a31c2e-d22d-477c-abe6-a2019948330b.jpg

يقدم الفيلم الحركة والمغامرة والتشويق من خلال قصة تتحمل أن يجري تقديمها في أجزاء عدة (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

اختيار المخرجين الثنائي عادل العربي وبلال فلاح لم يكن عشوائياً لتنفيذ هذا الفيلم تحديداً، بخاصة أنهما مميزان بأسلوبهما السريع والعنيف بصرياً بعد نجاحهما في فيلم “باد بويز”، إذ تميزت صورة الفيلم وإيقاعه بشكل لافت، لدرجة أنك طوال مشاهدة العمل سترى شريطاً سينمائياً لا ينتمي إلى الصورة التقليدية لأي فيلم عربي مسبوق، بل هو عمل أقرب إلى النموذج الهوليوودي الذي يعتمد على الأكشن السريع والكاميرا المتحركة باستمرار والإيقاع اللحظي والطاقة البصرية العالية والمطاردات العصبية والحركة السريعة أكثر من الحوار.

تختلط اللغات في العمل بين العربية والإنجليزية، إذ يجد المشاهد نفسه أمام عمل يحمل أكثر من ثقافة وهوية، وكان الاعتماد في التنفيذ منصباً على خبرات أجنبية، مثل الثنائي الإخراجي، وفريق تنفيذ مشاهد الحركة والإبهار، وهو نفس فريق عمل سلسلة أفلام “جون ويك” للنجم العالمي كيانو ريفز، لكن ظلت الروح العربية مسيطرة بقيادة فريق التمثيل المميز الذي اعتمد في الأساس على بطلين مصريين هما الأبرز تسويقياً في الـ20 عاماً الأخيرة وهما أحمد عز وكريم عبدالعزيز، وعلى رغم ظهور نخبة من النجوم العالميين فإن الأدوار كانت شرفية إلى حد كبير، وأسندت مهمة التمثيل الأساسية إلى الثنائي المصري.

بين عز وكريم

نجح أحمد عز في التلون في ملعبه الأساس، وهو أفلام الحركة التي احترف تصدر شباك تذاكرها منذ أعوام طويلة، وفي “سفن دوجز” قدم أداءً هادئاً على المستوى الدرامي، ويحمل كثيراً من النضج والاحترافية المتناسبين مع طبيعة العمل السريع اللاهث من دون أن يقع في فخ الأداء السطحي مثل معظم نجوم الأكشن، وكان تجسيده يمزج بين البرود الظاهري والتعبير العميق الهادئ في المشاهد الدرامية.

واستطاع عز أن يرسخ شخصية خالد العزازي ضابط الإنتربول المميز ببناء يعتمد على الحضور الجسدي القوي، والكاريزما الباردة، والقدرة على تقديم شخصية رجل صلب يتحرك وسط عالم مليء بالمطاردات والخطر. وصنع عز ملامح مميزة للشخصية على رغم أنها تبدو للوهلة الأولى مكتوبة بمنطق البطل الكلاسيكي في أفلام الأكشن الأميركية، وهو الرجل الذي يتحمل عبء إنقاذ العالم، ويتنقل بين الدول والشبكات الإجرامية الدولية، ويقود المواجهة الكبرى ضد الخطر القادم.

c6bf2634-78d3-442e-ba52-6bea1d71a4f4.jpg

قدّم أحمد عز وكريم عبد العزيز أداءً لافتاً في الفيلم بين النفسي والأكشن (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

أما كريم عبدالعزيز فدخل لشخصية غالي أبو داوود من منطقة أقرب إلى الأداء النفسي الرمادي، واستغل الفيلم قدرات كريم في اللعب على الأداء المزدوج المركب الذي يجمع بين الخير والشر والتعقيد الواضح، فهو بالعمل ليس بطلاً نقياً أو شريراً صريحاً، بل رجل قد لا تفهم ما بداخله لكنك تبتسم عندما تراه، فهو شخصية تتحرك داخل عالم الجريمة، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى التحالف مع عدوه السابق من أجل إسقاط شبكة مخدرات دولية تهدد المنطقة.

اختلاف التركيبة بين العزازي وأبو داوود منحت العمل عنصره الأهم، وهو الصدام بين شخصيتين متناقضتين، وهنا لا وجود لخلفية تاريخية لكل شخصية بشكل عميق، بل مواجهة صريحة تعتمد على التوتر، والندية، والكاريزما الذكورية، والتحالف القلق بين رجلين لا يثق أحدهما بالآخر.

واحدة من أهم النقاط التي تكشف طموح الفيلم العالمي هي قائمة النجوم المشاركين فيه، فوجود مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت ومارتن لورانس ليس مجرد وجود بهدف الاستعراض، لكن جزء من خطة لتحويل الفيلم لمشروع إقليمي عابر للجنسيات، وأن يمر النجوم العرب بلهجتهم العربية لجمهور أجنبي عبر أنحاء العالم.

خطة طموحة

ويبدو أن الفيلم يحوي في جعبته خطة طموحة لتقديم أجزاء جديدة على الطريقة الهوليوودية التي تحمل صيغتها الأساسية موضوعات عن تنظيم إجرامي دولي، وشبكات ممتدة بين الدول، وتحالفات وخيانات وشخصيات متعددة الجنسيات، وهي عناصر تقترب من طريقة بناء الامتيازات السينمائية العالمية للأفلام التي تحمل طموح تعدد الأجزاء. وإذا نجح جماهيرياً فمن السهل تخيل أجزاء جديدة، أو شخصيات فرعية تحصل على أفلام مستقلة، أو حتى توسع الإنتاجات العربية الضخمة بالنموذج نفسه.

705663493_26761829753427541_6613749605140582662_n.jpg

واحدة من أهم النقاط التي تكشف طموح الفيلم العالمي هي قائمة النجوم المشاركين فيه (مواقع التواصل)​​​​​​​

 

شباك التذاكر وتقبل الجمهور والنجاح الفني كلها عناصر إذا حدثت كما ينبغي ووفق التوقعات والطموحات الخاصة بصناع العمل سيكون هناك تحول حقيقي على أكثر من مستوى، منها مفهوم النجم العربي الذي كان يتحرك من قبل داخل سوق محلية فحسب، لكن في الفيلم يجري تقديم هذه النجوم في مشروع عالمي يخلق شبكة مشاهدة تتجاوز حدود الجنسية واللغة.

وأخيراً يؤشر فيلم “سفن دوجز” إلى أن المنطقة العربية تستطيع إنتاج سينما جماهيرية عالمية من دون أن تفقد هويتها، وقد تكون الفترة المقبلة بداية مرحلة جديدة كاملة في تاريخ السينما التجارية بالمنطقة على مستوى العالمية.